في الأدب والسياسة

Matthias Catón | Flickr

كثيرا ما يحزنني الفهم الشائع عن ترادف بين السياسة الممارسة وبين اللاأخلاقية، حتى مضيفة الطائرة التي أقلتني قبل يوم تساءلت عن سر اهتمامي بالسياسة وهي التي ترى فيها قبحا لا يستلزم نظافة التعامل كما يرى عامة الناس. ولعل في ذاك ارتباط غير معين بين فشل السياسيين في تحقيق وعودهم وبين نظرة الناس البسيطة تجاه سياساتهم اليومية. وهذا أمر قد يطول تحليله وسأفرد له مقالة منفردة ان مد الله في الآجال، لكني أريد أن ألفت الناس الى شيء ربما يغير من ذاك الشائع، وهو ارتباط السياسيين أيضا بأدب في اللغة دالا على زوق متفرد وخصوصية في الدور.

في قديم من زمان جعل الفيلسوف الأول أرسطو من الخطابة فنا لا مناصه عنه حين تحمل التكاليف العامة. وذاك أمر أصبح من الأساس بمكان أن يحسنه كل سياسي يريد أن يوصل رسالته. ولعل أمر الخطابة مما اشتهر به قادة العرب ومثقفيهم من قديم. تنافسوا في خطبهم طلبا لتأييد الناس أو حشدا لقواهم. وقد كانت خطابتهم أمرا تفخر به العرب حين السلم وفي الحرب أحيانا أخر. ومن المعلوم للناس أن الشعر فيض من خطابة، ونسجه مما كانت العرب تتفرد به وتستخدمه كسبيل للتعبير السياسي. امرؤ القيس وبن المقفع وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه امثلة شاهدة على ارتباط الأدب بالسياسة، وكيف أن رفعة اللسان ضرورة يمليها واجب التصدر لحاجات الناس.

يقول علي رضي الله عنه

و أفضــــــل قســــــم للمــــرء عقله      فــليس من الخيرات شيء يقاربه
إذا أكمــل الرحمـــن للمــــرء عقله      فـقــد كمــلت اخــلاقه ومــآربـــه

يعيش الفتى في الناس بالعقل انه      على العقل يجري علمه وتجاربه

حديثا، عرف الناس خطب القادة السياسيين، تلهب فيهم روح الأمة وتستحث قواها. عرفت الدنيا كلها خطب تشرشل وخطب هتلر الثائرة ابان الحرب العالمية الثانية. لتشرشل رواية وكتب عن رحلاته في الهند والسودان حينما كان مراسلا مع الجيش البريطاني، وله عبارة كثيرا ما تتردد في الأوساط السياسية وهي: الكلمة هي الشيء الوحيد الذي يبقى للأبد. وعلم الأمريكيون أهميتها، فكان لزاما على قادتهم ان يكونوا شامة في الخطابة والحديث العام. ومن منا لا يذكر خطب أوباما الملهمة حين شكلت كلماته وحدها نذر خير لكثير من الناس.

في السودان، لا يبدو الأمر مغايرا. فقد علم أهل السياسة مكانة الأدب خصوصا وهم سليلو أسر دينية معروفة. محمد أحمد المحجوب، يعرفه الناس برئاسته للوزراء وقيادته لحزب الأمة في فترة ما بعد الاستقلال، كما عرف عنه شاعريته الجزلة وخطابته الرفيعة. يقول المحجوب في قصيدة له:

باعثَ الشِّــعرِ والصبابةِ ما لي
تبعث الوجدَ في النفوس لتبقى
وتُغـــــــالي إذا رجــــاكَ حبيبٌ
أنتَ راضٍ بمــا تراه ، وراضٍ
قد هداه الجـــمال حساً وروحاً
كان خلــــــواً من المحبة قفراً
واستمر الحبيب ينفــثُ سحراً
نفذَ الســـحرُ واستقــــــرَّ هواه
يوم أن دارت الكؤوس وكانت
عرف الحـــــبَّ يوم ذاك ولكن
هو يــومٌ من السعـــادة تشقى

من اليسار أيضا برز عبد الخالق محجوب كسياسي امتلك كلمة رفيعة وحسا ادبيا فائقا. اما اليمين فيبرز أمين حسن عمر شاعرا متصوفا، تذخر كتاباته بعمق فلسفي كما يقول في احدى بدائعه في ديوانه أشجان المتوحد:

قرح الشــــوق بقلبي
يا أبنة الدهقان صبي
قهــــوة من ما تخبئ
في دهالــــيز الزمان
….
بإسمه القدوس عذتٌ
بإســــمه المـانع لذتُ
بإســـمه الباسط حذتُ
كل خــــيرٍ في الزمان

وكذا سيد الخطيب أيضا شاعرا وكاتبا أريبا يعجز الناس عن مجاراة كتابته، اذ يقول:

يا أخــــــــاً قد سار في درب الفداء والنضال
أشدد الأصبع من حــــــــــول اللواء لا تبالي
حبذا المحــــــــفوظ في دار البقاء من نوالي
شاننا أن نصـــــــــدق القوم القتال لا هوادة
فظهور فوق أعنــــــــــاق الرجال أو شهادة
ذاك حسب المرء من حسن المأل والسعادة

ولعل من طبع أهل السودان أن يربوا أبنائهم بالقرآن في صغرهم مما ينشئ ذكاوة في اللغة وسلاسة في اللسان.

أولئك هم السياسيون ، أديبون بالفطرة و بما تملي عليهم وظيفتهم و دورهم الاجتماعي . معينهم طيب بما طابت قرائحهم، لكن سياساتهم أمر آخر، تستقيم ما استقامت رؤاهم ومدارسهم الفكرية. وقد يشعر يزيد نداوة لكن قد يفجر خصومة فلذلك وجب التفريق وان توحدت الشخوص. مثل الناس يشعرون ويعبرون، بل يفوق تعبيرهم تعبير الأدباء لأنهم معنيين بتواصل أكبر ولغة موجهة للعامة.

ياسر زيدان
لمتابعة ياسر

ياسر زيدان

من مواليد 1991، سوداني يدرس ماجستير العلاقات الدولية والأمن القومي بمعهد السياسة العالمية بالعاصمة الامريكية واشنطن. مهتم بقضايا الشرق الأوسط وترشيد الحكم في البلدان النامية، كما له عدة أبحاث متعلقة بالسياسة السودانية.
ياسر زيدان
لمتابعة ياسر

اترك تعليقاً

Top