ختان الفتيات في السودان: مشكلةٌ تحتاجُ حلولاً متعددة

Hani Amir | Flickr

في الشهور السابقة احتفل الناشطون في مجال حقوق الإنسان والمرأة على المستويين الإقليمي والعالمي بقرار منع الحكومة النيجيرية لختان الفتيات (تشويه الاعضاء التناسلية) بنجيريا باعتباره خطوة مهمة للقضاء على عادة ختان الفتيات في إحدى أكبر الدول الإفريقية. لم أتحمس كثيراً للخبر علي الرغم من اهتمامي و عملي المستمر للقضاء على ظاهرة الخِتان. لربما كان وقع الخبر على مختلفا قبل عام لكنني الآن أُدرِكُ أن ختان الإناث ليس سوى مؤشر لمعضلة أكبر جدا في مجتمعاتنا وأن سن قوانين مانعة للختان فقط لن يؤدي للقضاء عليه. بالطبع لن أستطيع الجزم بكل ثقة أن سن القوانين لن يكون مؤثرا بما فيه الكفاية لمنع العادة في نيجيريا لكني سأستخدم جهود محاربة الخِتان في السودان للمقاربة و محاولة فهم أسباب انتشار الخِتان بصورة عامة في أفريقيا.

ترجع جهود محاربة الخِتان في السودان إلي ما قبل الاستقلال حيث تم تجريم أحد أعنف أنواع الخِتان (وهو المعروف بالختان الفرعوني) في القانون السوداني منذ العام 1946م لكن للأسف لم يتم تنفيذ القانون بصورة فعالة إلى وقتنا الحالي. توالت المحاولات لمحاربة الخِتان بعد ذلك بدءاً بجهود الأطباء منذ الستينات واالعديد من منظمات المجتمع المدني منذ السبعينيات من القرن السابق و التي أطلقت العديد من الحملات التوعوية ضد الخِتان كما استضاف السودان أول مؤتمر عالمي للقضاء على الخِتان في العام 1979م. تستمرعدد من المنظمات بالإضافة الي وزارة الصحة في العمل على القضاء على الخِتان في السودان إلى يومنا هذا عبر عدد من الحملات مثل حملة #انا لن لكن تظل نسبة الخِتان عالية جدا حيث ان السودان حاليا هو الدولة الخامسة عالميا في إنتشار ظاهرة خِتان الفتيات. تشير الإحصائيات إلي أن متوسط نسبة الخِتان في السودان حاليا تصل إلي 88% حيث تترواح ما بين 65% في العاصمة الخرطوم إلي 90% في بعض الولايات. هذه الإحصائيات تعني أن 9 من أصل كل 10 نساء أو فتيات سوادنيات حاليا مختونات على مستوى الدولة.

الخِتان – أو فلنُسمِه تشويه الأعضاء التناسلية للفتاة – هو إحدى العادات القديمة والمنتشرة في العديد من الدول في القارة الإفريقية كما يوجد أيضا ببعض الدول بآسيا. تُعرِف منظمة الصحة العالمية ختان الأُنثى بـ ”الإزالة الجزئية أو التامة أو أي ضرر للاعضاء التناسلية الخارجية للأنثى لأسباب غير طبية“. و من أشهر أنواع الخِتان ما يُعرف بالخِتان السُني (المنتشر في الدول الإسلامية) و الفرعوني والذي يعتبر من أسوإ أنواع الخِتان حيث تُشوه فيه الاعضاء التناسلية الخارجية للانثى بالكامل. أضرار الخِتان الطبية كثيرة من أخطرها النزيف الفوري اثناء العملية والذي قد يؤدي لوفاة الفتاة ، و إذا نجت الفتاة من النزيف فهي مُعرضة للعدوى و الالتهابات الذي قد تؤثر على أجهزتها البولية و التناسلية. المرأة التي تعرضت للختان قد تشعر بالألم الشديد أثناء الممارسة الجنسية مما قد يؤثر على العلاقة أو يؤدي إلي مضاعفات أثناء الولادة قد تؤثر على حياة المرأة و الجنين. هذا بالإضافة للآثار النفسية للعملية نفسها حيث أن معظم الفتيات يتعرضن للخِتان في أعمار تتراوح ما بين الخامسة والثانية عشر بدون مسكن للألَم.

بناءاً على أبحاث علم المجتمع فإن ظاهرة الخِتان في المقامِ الأول لا تطبق بغرض إِيذاء الانثى بل على العكس معظم المطالبين أو حقيقة المُطالِبات (النساء هن أقوى مُدافع عن الخِتان في السودان) يتحججن دائما أن الخِتان يحفظ و يصون الفتاة و يزيد من فرصها في الزواج. تترواح الأَسْباب الظاهرية للختان في المجتمع السوداني ما بين الداعيين إلي تقليل الرغبة الجنسية و المحافظة على شرف الفتيات قبل الزواج (بالرغم من أن الرغبة الجنسية هي كغيرها من الرغبات تتولد في العقل وليس في الجسد) إلي الداعيين إلي تنفيذ الشريعة الاسلامية التي تُشجع على الخِتان (بالرغم من أن جميع البحوث تشير إلى أن الأدلة على وجود الخِتان في الدين ضعيفة وأن الخِتان هو في الأساس عادة إفريقية منتشرة في الدول الإسلامية و المسيحية على حد سواء).

كل المُبررات على إختِلافها تصُب في آخر المطاف في رغبة الأُسَر و تحديداً الأمهات في تزويج بناتهن وتوفير مستقبل واعد لهن حيث ارتبط الخِتان في السودان بزيادة أهلية الفتاة للزواج. عندما ننظر لعادة الخِتان من هذه الزاوية سنفهم لماذا فشلت حملات التوعية المستمرة في القضاء على هذه العادة الضارة حيث أن الحملات تُركز على تعديد أضرار الخِتان الطبية ”المُحتملة“ بينما تفكر الأمهات أن إحتمال حدوث هذه الأضرار يبهت عندما تُقارن بالفائدة المُتوقعة وهي زيادة إمكانية زواج الفتاة و ”سُترتها“ وإرضاء زوجها المستقبلي.

تناول عادة الخِتان من هذا المنطلق يُفسر لماذا ترضى الأمهات أن تخضع بناتهن لنفس العملية المؤلمة التي خضعن لها والتى يتعرضن لتبعاتها مع كل ولادة و ربما يومياً. و أيضا تفسر رغبة الزوجات في ”العدلة“ (العدلة هي عملية إعادة الخِتان بعد الولادة، و التي تؤدي إلي آلام شديدة للمرأة) بعد كل ولادة لها في محاولة لإِرضاء زوجها.

لذلك توصلتُ لقناعة أن وجود تشريعات و قوانين تجرم من الخِتان (بالرغم من أني ما زلت أؤمن بأهمية سن التشريعات) كوسيلة رئيسية لمحاربة هذه العادة الضارة سيُمنى بالفشل كما فشلت العديد من حملات التوعية. لأن قضية الخِتان ليست قضية جهل و خوف من القانون بل هي قضية ثقافة مجتمع في المقام الأول. عادة الخِتان في مجتمعنا ليست سوى أحد أعراض و تبعات ثقافة مجتمع تُربِي و تُكرِس للفتاة منذها صغرها أن هدفها الأوحد في الحياة هو الحصول على زوج، ومن منا يستطيع أن يلوم أماً تتمنى مساعدة ابنتها للوصول لهدفها في الحياة. القضاء على ظاهرة الختان لن يتم إلا عبر جهود متكاملة من السلطات القانونية، الجهات الطبية و منظمات المجتمع المدني ليس لسن قوانين تمنع ختان الاناث فقط بل و تطوير محتوى حملات التوعية لمعالجة الأسباب المجتمعية وراء الختان و التركيز على دور الرجال في محاربة الختان. لكن يجب أن لا ننسى أن أهم عامل في القضاء على الخِتان هو تطوير مجتمع تُربى فيه الفتاة على أن الزواج هو خطوة مُكمِلة لها و ليست هدفها الوحيد في الحياة.

د. سلمي محمد حسن عبدالله

د. سلمي محمد حسن عبدالله

طبيبة سودانية و ناشطة في دور الشباب في تشكيل السياسات التي تحكم الصحة على مستوى عالمي. تدرس ماجستير الصحة العالمية بجامعة بوسطن. مهتمة بالتنمية المستدامة في الدولة النامية و المحددات الاجتماعية للصحة بالإضافة إلي حقوق المرأة ودورها في التنمية
د. سلمي محمد حسن عبدالله

Latest posts by د. سلمي محمد حسن عبدالله (see all)

اترك تعليقاً

Top