“الناس اللي من بيت”

Hartwig HKD | Flickr

كأغلبِ البنات والأولاد، كنتُ أقصُ على أمي ما يجري لي أو ما يلفت انتباهي مما أشاهده منذ نطقت. وقد قصصت عليها ذات يومٍ موقفًا حدث أمامي في المدرسة، رأيتُ فيهِ أن زميلتين لي في الفصلِ ضُبطتا ترتكبان جريمة الغش عند أداء امتحان، وقد ضبطهما المعلمُ وأخذ يوبِخُهُما ويُجرِمُ ما فعلتاه؛ فإذا بإحداهُما تخجلُ إلى حد البكاء ندمًا على ما صدرَ منها ولم تنطق بكلمة، أما الأخرى فأخذت ترد على المعلم بكل صلَفٍ، وتُنكِرُ – كذبًا بناءًا على ما رأيتُ بعيني – ما ارتكبت، بشكل يفتقرُ إلى أبسطِ قواعدِ الأدب. وانتهى الموقف بأن اعتذرت الأولى عما اقترفت بينما تصاعدَ الأمرُ بالنسبةِ للثانية بأن تم استدعاءُ ولي أمرِها.

ولما نقلتُ لأمي دهشتي مما حدثَ ومن رد فعل زميلتي الثانية ردت عليَّ  قائلة: “إن رد فعل الأولى ينم عن أنها (من بيت)، أما الثانية فاحذري عند التعامل معها”. قالت لي أمي: “احذري عند التعامل معها”، وأنا أقول في نفسي ليتكِ يا أمي تكونين معي عندما أتعامل مع شتى ألوان البشر حتى توفري علي عناءَ التعرفِ على من أحذرُ عند التعامل معه ومن أكون على طبيعتي معه؛ لكنها سنةُ الحياةِ أن يقدمَ الآباءُ للأبناءِ عصارةَ خبراتهم في الوقت الذي يعيشُ فيهِ الأبناءُ التفاصيل وما بها من منغصاتٍ وعذابات. ولا أخفي عليك يا قارئي العزيز أن كلمة “من بيت” هذه شغلت رأسي أيامًا إن لم تكن سنواتٍ؛ أولًا  لكثرة تكرارِ أمي لها متى أشادت بكل من يحسن التصرف، وثانيًا لأنها كلمة مجردة والطفل دائمًا يميل للتجسيد أكثر من التجريد، ولما فكرت مليًّا في الكلمة وربطتها بالمواقف التي قيلت فيها وبالأشخاص الذين نُعتوا بها انتهيتُ إلى أن أمي تقصد من كلمة “من بيت” “من بيتِ الأخلاق”، وهي كلمة اختزلتها أمي وأغلب أبناء جيلها؛ لبُعدهم عن استظهار نص مرجع الأخلاق واكتفائهم بتطبيقها والتعامل بها، ولكونهم جنحوا إلى العمل بالأخلاق وتركوا القول أو التعريف بها وبأصلها ومرجعها، وهذا بالنسبة للطفل كالطائر بجناح واحد.

وبَيتُ الأخلاقِ هذا تُطَبقُ فيهِ أَسمى مَعَاني الإِنسانِية، وهو بَيتٌ  جميلٌ  أنيقٌ  يُقامُ فوقَ ربوةٍ، ويتسمُ سُكانُهُ بأروَعِ الصِفَاتِ  لأنهُم يَرتَدُونَ زِيّ الأخلاق، ومن يتقاعَسُ  عن التحلي بهذهِ الأخلاق أو يتهاونُ  في تطبيقها يسقطُ  من أعلى الربوةِ ويعِيشُ  في بيئةٍ تقعُ أسفلَ بيتِ  الأخلاق.

وبناءً عليه (على سبيل المثال لا الحصر):

** إن الشخص الذي تتحكمُ في آرائهِ وتوجهاته المادةُ، والذي يكذبُ، والذي يشيعُ الفتنَ بين الناسِ، والذي تتساوى لديه الكبائر والصغائر، والذي يشهد الزور (بأن يدعي غير الذي وقع أو يشهد بما سمع لا ما رأى)، والذي يستخفُ بالكلمةِ ولا يُنزلُ الأمورَ منازلها ويختل لديه تسلسل هرم الأخلاق، والذي يخلط الهزل بالجد في الأمر الجلل الذي يستوجب الحسم، والذي يطوع الحقائق أو يقلبها لمصلحته يسقط من بيت الأخلاق.

** إن الشخص الذي يضيِّع من يعول، والذي يُحَقِّرُ من المرأةِ ويقللُ من الطفلِ والخادم، والذي لا يكرمُ ضيفهُ أو الذي يؤذي جاره، والذي يأكلُ الربا وأموالَ اليتامى، والذي يمنع توريث البنات أو يبخس حقوقهن أو يستضعفهن يسقط من بيت الأخلاق.

** إن الشخص الذي يفتقرُ إلى الأدبِ وحسن الخلق، والذي يتجاوزُ حدوده ويخترق حدود غيرِه، والذي لا يحفظُ لسانه، والذي يتطاول على أبيه أو أمه (بأي شكل من الأشكال)، وخطيب الفتنة الذي يقول ما لا يفعل ويبرر لكل منحرف انحرافه، والذي يشيع الفاحشة بين الناس يسقط من بيت الأخلاق.

فالأخلاق لا تُشترى، والكذب هو الصفة الرئيسيةُ التي يُشترط ألا يتسم بها من يؤمن بالله، والفتنةُ أكبرُ من القتل، ومن يخشى في اللهِ لومةَ لائمٍ  ليس بِحُرٍّ لكنهُ عبدُ ما يخشاه، والذي يخلط الهزل بالجد في جلائل الأمور يضيِّع حقوقًا ويدعم الباطل فيعلو ويسود.

وأخيرًا أودُّ أن أقولَ إن بيتَ الأخلاقِ هذا ليس حكرًا على أناسٍ بعينهم إنما هو لأناسٍ مَلأ قلوبَهم حُبُّ الأخلاقِ والتمسكُ بها، وهم يبذلون كل ما لديهم لإِحيائِها على الدوام حتى وإن كان السوادُ الأعظمُ من الناسِ يسقطُ كل يومٍ من هذا البيت، وهم بدونِها يموتون، أو لأُناس أَبَوْا السقوطَ، الذي ربما يكونون قد وُضِعوا فيهِ بالميلادِ أو التنشئة، وأرادوا الصعود إلى بيت الأخلاق وما يقتضيهم من عزم وصبر وإصرار على الصعود واستعداد لتحمل مشقته ودفع ثمن الارتقاء. وتجدر الإشارة إلى أن سكان بيت الأخلاق معرضون دومًا لإغراءات زخارف الدنيا التي لا تنتهي فإذا لم يتمسك الإنسانُ بدينِه – أعني بأخلاق دينه – فسوف تغرهُ هذهِ الزخارفُ ويقعُ في دائرة شهوات نفسه – على أنواعها. وطوقُ النجاةِ في هذا الوقت هو التمسكُ بمنهجِ الله حتى يسلم من إغراءات هذه الزخارف. فالإنسان القوي هو من يستطيع أن يستحضر عقوبة الاستجابة لجاذبيةِ زخارفِ الدنيا وجزاءَ الخيرِ في اتباع منهج الله وما يتضمنه من أخلاق.

أسماء راغب نوار
تابع أسماء

أسماء راغب نوار

مصرية عربية مسلمة، أعشق تراب مصر ولا يزال لدي أمل في نهضتها، أعتز بلساني العربي أيما اعتزاز، أتخذ من الإسلام منهجًا للحياة غير مقتصرة على تأدية العبادات، أود تطبيق العدالة بين الناس كافة، درست اللغة الإنجليزية وآدابها وأعمل مترجمة.
أسماء راغب نوار
تابع أسماء

Latest posts by أسماء راغب نوار (see all)

12 thoughts on ““الناس اللي من بيت”

  1. كلامك جميل ولو انه للأسف بيت الأخلاق بالفعل لم يعد موجود الا قليل جددا. تربية اطفالنا في عالم يتلاشي منه كل جميل ويمكث كل قبيح أصبحت المعضلة بعينها. وترين الأطفال في بيت الأخلاق ليسوا شبه أقرانهم من بيوت اخري ولو انهم في مدرسة طيبة مازالت تنادي بالاخلاق ترين الفرق جد جلي بينهم وبين أطفال من بيئات اخري. انظر اليهم ويراودني هاجس انني أعلمهم واربيهم علي قيم سوف يرونها شحيحة كلما كبروا. هل سيلومونني؟ ولكن اعود مرة اخري أفكر في حقهم في تربية كريمة كالتي تلقيناها وان تقوي الله فيهم هي سبيل النجاه الوحيد وليس رصيدهم في القبح والشتائم. اللهم ارزقنا البصيرة والهمنا الصواب في تربيتهم ياارب. شكرًا لمقالك الجميل وكلماتك الرقيقة الحنونة ❤️

  2. اسمحى لى استاذتنا إنى اتفق مع حضرتك مبدئيا إن الغش شىء مرفوض…ولكنى أدهشنى موقف البنت اللى قعدت ترد على الأستاذ … طبعا أنا شايفها قوة فى موقف مفترض انها تكون ضعيفة وخجولة فيه.. ولكن ردها دليل على قوتها وتحملها لتطور الموضوع ودا معناه إن وراها بيت منحها تلك القوة وإن لم يعجب القراء موقفها… أما الطفلة التى بكت فهذا رد فعل طبيعى ومتوقع لا جديد فيه ولا يلفت انتباهى….ودى طبيعة الناس اللى بتذاكر والناس اللى مش بتذاكر تلاقى كل واحد بيتصرف بالشكل اللى يناسبه………..طبعا الأسلوب جميل ولكن التوجيه بشكل مباشر وفى نقاط لى تحفظ عليه…………فالكاتب ليس وصيا على الناس ولا على أخلاقهم .. إنما يطرح الموضوع ويترك لهم الباقى…….

  3. تصوير رائع لاسمى المعاني… حقيقة ليت الناس يدركون قدر الاخلاق وجمال التمسك بها… فيدركون المعنى الحقيقي للسعادة في الدنيا والاخرة… السعادة المتمثلة في راحة البال والسكينة التي يشعر بها من يضع الامور في نصابها الصحيح… ربما لو عرف الناس منزلة صاحب الاخلاق وهي منزلة رمزية بالطبع لا يشعر بها الا من تحلى بالاخلاق الحميدة لتسابقوا جميعا لنيل تلك المكانة العالية الرفيعة… تحية لكاتبة الكلمات الرائعة التي تمس القلب والتي استحضرت الى اعيننا صورة جميلة لافتة لبيت الاخلاق الرائع…

  4. و انتى من بيت طيب و جميل صديقتى … بيعجبنى جدااا تحليلك و تاملاتك لللامور و عمق تفكيرك .. اتمنالك كل التوفيق و السعادة يا اسماء ..

  5. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم (إنما بعثت لإتمم مكارم الاخلاق)
    هذا ما نفتقده لكى يصير المجتمع من بيت

  6. من أجمل ما قرأت عبارة (( ومن يخشى في اللهِ لومةَ لائمٍ ليس بِحُرٍّ لكنهُ عبدُ ما يخشاه ))
    تحياتي للكاتبة المحترمة وبارك الله لك في أمك .

  7. حقيقي، مافيش علاقة بين الطبقة الاجتماعية وفكرة ان الناس تكون اولاد اصول او ولاد “بيت” زي ما بتقولي لأن العبرة هنا مش بالمال اللي ممكن يشتري عربية فاخرة جدا وقصر كبير، انما العبرة بالأخلاق التي ليس لهل طبقة محددة. الشخص عشان يكون اخلاق مش لازم منتمي لطبقة معينة. فيه نقطة كمان، يا ريت فعلا الاهالي يبقوا معانا ف كل تجربة لكن لازم نسيب للأولاد برضه فرصة انهم يحكموا على الأشياء بنفسهم. ساعات ممكن نسيبهم يتجرحوا ويغلطوا لأن هو دة المصنع الحقيقي للشخصيات

  8. مقال أكثر من رائع وللأسف صرنا بمرور الزمن نفتقد هؤلاء الناس واصبح يزداد عدد من يقعون من بيت الأخلاق وتحياتي للسيدة الفاضلة التي اختصرت الاف المعاني والاخلاقيات في كلمتين “من بيت”

اترك تعليقاً

Top