مصر السيسي.. لا أخت بلادي.. ولا شقيقة

Ahmad Hammoud | Flickr

قبل يومين حكي لي صديقي موقفا سيئا حدث معه في مطار القاهرة الدولي حيث كان في طريقه من لندن إلي الخرطوم عائدا من رحلة دراسية استمرت عددا من السنين. طوال سنين دراسته كان يعود إلي السودان مرة كل عام أو نحوا من ذلك. وفي كل مرة كان يأتي علي متن خطوط طيران مختلفة لأسباب أسرها في نفسه. هذه المرة وقع اختياره علي الخطوط المصرية فكان لا بد أن تمر رحلته عبر مطار القاهرة الدولي. حذره بعض أصدقاءه أن الوضع في القاهرة لا يسر عدوا ولا حبيبا في هذه الأيام. لم يأبه صديقي بتلك التحذيرات، منشدا في نفسه قول الشاعر السوداني الكبير “تاج السر الحسن”:

مصــــر يا أخت بـــــلادي ياشقيقة
يا رياضا عذبـــــة النبت وريـــــقة
مصــــر يا أم جمال.. أم صــــــابـر
ملء روحي أنت يا أخـــــــت بلادي
سوف نجتث من الوادي الاعـــادي
فلقد مدت لنا الأيدي الصديقــــــــة
وجه غاندي وصدى الهند العميقة

تبخر كل ذلك بعد لحظات من صعود صديقي إلي طائرته المتجهة إلي الخرطوم. لا بد أن إدراة الخطوط المصرية قد اختارت أسوأ طائرة لديها لكي تقوم بتوصيل السودانيين من القاهرة إلي الخرطوم. قفزت إلي ذهنه الصورة النمطية للسودانيين في الأفلام المصرية القديمة والحديثة والتي تظهرهم غالبا في دور البواب الكسول البليد الذي يقبل بأي شكل من أشكال التعامل مهما كان سيئا. ارتفع صوت المرأة التي كانت تجلس خلفه معترضا علي ضيق الطائرة وضيق المساحة بين المقاعد والتي جعلت تلك المرأة الكبيرة في السن تشبه الطائرة بالعلبة. صديقي وصل إلي القاهرة من لندن علي متن طائرة تابعة للخطوط المصرية أيضا. لا توجد أدني مقارنة بين الطائرتين بأي شكل من الأشكال.

ارتفع صوت الكابتن عبر المذياع الداخلي للطائرة ليخبر المسافرين بأن هناك عطلا فنيا بالطائرة يقوم فريق من المهندسين بإصلاحه وسوف ينتج عن ذلك تأخير للإقلاع لمدة نصف ساعة. صوت الرجل وهو ينقل الخبر لم يكن يبدو عليه أي نوع من انواع الاعتذار أو الاهتمام بمشاعر المسافرين الذين قفزت إلي ذهنهم صورة طائرة روسية كانت تتصدر نشرات الأخبار خلال الأيام الفائتة. انتشرت حالة من التململ وربما الخوف وسط ركاب الطائرة. طيبة السودانيين المعروفة سرعان ما انتصرت كالمعتاد وعاد الجميع إلي حالة من الهدوء المترقب خلال دقائق. انقضت خمس وأربعون دقيقة. ارتفع صوت الكابتن من جديد عبر المذياع الداخلي مرة أخري ليخبر الركاب أن العطل استعصي علي الفنيين وأنه يتوجب علي الركاب إخلاء الطائرة فورا والنزول إلي صالة المغادرة مرة أخري ريثما يتم تجهيز طائرة أخري تقلهم إلي الخرطوم. للمرة الثانية، عبارات الاعتذار كانت بلاستيكية للغاية.

نزل المسافرون إلي صالة المطار. لبعض الوقت لم يعبأ بهم أحد. بعد فترة من الوقت أتي موظفان مصريان يخبران الركاب أنه تقرر أن ينتقل المسافرون إلي صالة الطعام في الجانب الآخر من المطار لتناول طعام العشاء. طريقة إبلاغ المسافرين إلي جانب أنها كانت غامضة وغير مفهومة إلا أنها أيضا كانت مثيرة للسخرية ومفتقدة لأبسط قواعد اللياقة. انتقل المسافرون إلي صالة الطعام “التي تقع علي الجانب الآخر من المطار”. انتظر المسافرون وقتا طويلا. لا طعام. لا معلومات. لا أحد يمكن سؤاله عن ما الذي يجري. ويمر الوقت. موظف مصري آخر اقترب نحو المسافرين ليخبرهم أن لا طعام، الطائرة الآن جاهزة وعليهم العودة إلي الصالة الرئيسية. تذمر المسافرون. عاد المسافرون من حيث أتوا.

أحد المسافرين السودانيين توجه إلي الموظف المصري وسأله عما إذا كان قد تم تغيير الطائرة. أتت الإجابة بالنفي. لقد تم إصلاح العطل الفني في الطائرة الأولي وهي التي سيستقلها المسافرون إلي الخرطوم. شيء ما في طريقة حديثه كان مستفزا. بل كان مستفزا للغاية. سيدة سودانية كبيرة في السن أعربت عن خوفها من هذه الطائرة. قالت إن قلبها غير مطمئن. حديثها شجع سيدة أخري للإفصاح عن خوف مماثل. تبعتها ثالثة.. ورابعة.. وخامسة. بدأت أصوات مجموعة لا بأس بها من المسافرين في الارتفاع. كانوا يطالبون بمعلومات أكثر عن العطل الفني وعن ما الذي سيحدث إن أصاب هذا العطل الطائرة مرة أخري وهي في الهواء. “الروح واااااااحدة. ما هكذا نريد أن نغادر هذا العالم”. تحول الأمر إلي شيء أشبه بالتظاهرة الصغيرة داخل صالة المطار.

هنا أتت القشة التي قصمت ظهر البعير. موظف مصري وضع يديه علي صدره ووضع ابتسامة عريضة علي وجهه وقال: “اللي مش ح يركب الطيارة دي أنا ح ألغي لو التذكرة بتاعتو وح يضطر يشتري تذكرة تانية علي حسابو علي الرحلة الجاية”. هنا تحول الأمر إلي مظاهرة ضخمة بالفعل. أتري. السوداني ربما يكون طيبا ومجاملا، لكنه لا يقبل الضيم والاحتقار. بصوت واحد أعلن جميع المسافرين تقريبا أنهم لن يستقلوا الطائرة. “أعلم جيدا ان ذلك الموظف المستهزئ قد أحس بندم عميق علي عبارته تلك. من معرفتي بمصر، أظنه يدفع ثمنها الآن. أشعر بنوع من الشفقة نحوه،” يقول صديقي.

مرت ساعتان. الآن توجد مظاهرة ضخمة في تلك الصالة. فريق ضخم من الخطوط الجوية المصرية يحاول جاهدا احتواء الموقف. راكب سوداني داكن البشرة يصرخ بغضب في وجه بعض المصريين: “لو كنا لابسين عقالات كنتو بستو جزمنا”. رد عليه موظف مصري يبدو أنه علي وشك أن يفقد وظيفته إن لم يتم احتواء الموقف: “الموضوع مش كدة أبدا والله. طب هات جزمتك أبوسهالك دلوقت حالا”. انزوي صديقي في ركن قصي يتابع المشهد. وقف مشدوها أمام هذا المشهد بعد ست سنوات قضاها في بريطانيا رأي فيها كيف يتعامل مقدمو الخدمات مع زبائنهم في العالم المتقدم. بدأ عقله يقارن بين جودة الخدمة التي تلقاها علي الخطوط المصرية وبين تلك التي تلقاها علي متن كل الخطوط الأخري التي طار عليها إلي أنحاء متفرقة من هذا العالم. “ظلم ذوي القربي أمر من الحنضل”.

عاد إلي أرض الوطن بسلام. صحف الخرطوم تتحدث عن حالات اعتداء كثيرة من مصريين علي سودانيين في القاهرة بمباركة من النظام الحاكم. رجال شرطة اعتدوا علي رجل سوداني في أول يوم له في القاهرة ونهبوا ما معه من أموال وأودعوه سجنا تلقي فيه صنوفا من العذاب بلا ذنب اقترفه ثم بعد أسبوع اقتادوه في قيوده إلي المطار وأرسلوه إلي الخرطوم. فقط هكذا. لا جريمة، لا دليل، لا محكمة ولا قاضي. الرجل الان مصاب بانهيار عصبي ولا أحد يدري ما مصيره. خمسة عشر سودانيا قتلتهم القوات المصرية في سيناء بدعوي أنهم كانوا في طريقهم إلي إسرائيل. أيضا فقط هكذا. لا دليل، لا محكمة ولا قاضي. والقائمة تطول وتطول.

قمت بتذكير صديقي بموقف الإعلام المصري من السودان والشعب السوداني إبان خسارة المنتخب المصري أمام الجزائر في الخرطوم. لم يكن صديقي يحتاج إلي ذلك التذكير علي كل حال. سمعته ينشد:
مصر السيسي (لا) أخت بـــــلادي (لا) شقيقة
(لا) رياضا عذبــــــــــــــــــــة النبت وريـــــقة

تابع ناسبوست

فريق العمل

فريق التحرير والإشراف الفني at ناس بوست
فريق عمل ناس بوست مؤلف من سبعة شباب من ثلاث دول عربية مختلفة. نؤمن بأن لا مستحيل تحت الشمس وأن العمل الجاد يمكن أن يبلغنا عنان السماء. ونؤمن أيضا ان الكلمة أمانة.
تابع ناسبوست

اترك تعليقاً

Top