أنانية الحجيج المقدسة

Al Jazeera English | flickr

قبل أن تجف دمعات ذوي شهداء رافعة الحرم، بكى أهالي نفر كريم من حجاج هذا العام دما على فراق من ودّعوهم الى البيت الحرام بالأهازيج والأفراح ودعوات القبول! فارقونا رضي الله عنهم ناقمين علينا وعاتبين فقد قضوا دهسا ودفعا ورفسا بأٌقدامنا!

المتأمل للموقف يجد مفارقة عجيبة في نسك الحج عندنا، فبعد أن جعل الله الحرم لداخليه من سابقينا آمناً ويتخطّف الناس من حوله، جعلناه ساحة لمعارك يأججها حب النفس، معارك طاحنة وقاسية يقضى فيها على الضعفاء والمستضعفين تحت الأقوياء وعلى الأقوياء تحت ركام المهلوعين من جموع الحجاج القادمين والذاهبين لرجم الشيطان. مناسك الحج تزكية للنفس ووضع لكل آفات الأخلاق من تكبّر وتحقير للآخر، وضع لكل المكانات الاجتماعية الزائفة، فلا مراتب هناك، فقط الرب والعبد ولا شيء فوق أو دون ذلك! ونحن جعناها طبقات. أجساد طاهرة بلا أرواح في الأسفل، وفي كل مكان أجساد طاهرة بإذن الله احتفظت بأرواحها وتجردت من رحمتها!

الأمر ليس في منى فقط! انطلاقا من تجارب شخصيّة في الحرم أستطيع ويستطيع الجميع أن يلحظوا انفصاما في الشخصية المسلمة، فبقدر الدموع التي تذرف وتبلل الإحرام أثناء الدعاء للمضطهدين من المسلمين والمسلمات في مشارق الأرض ومغاربها، يبتل الإحرام بالعرق المتصبب من بعضنا وهم يضربون ويدفعون إخوانهم بأيديهم وأكفهم وكل قواهم وكلّ يقاتل ليؤدي سنة تقبيل الحجر الأسود! بروح عالية من التضحية كلّ يتحمل الكدمات والضربات عندما يلامس رأسه الحجر الأسود، وبقدر كبير من التسامح، لا يلتفت ليرى من الفاعلين!الأنانية في أطهر صورها تظهر هناك في ركن بيت الله وحرمه، وفي ظل البيت المعمور، كل ينادي نفسي نفسي، ويسعى ليقيم سنّةً على حطام بقية السنن والفروض!

يتجاورون في صف الصلاة يدعون لبعضهم ويبكون من خشية ربهم، ثم بعد قليل تجدهم يتعاركون عند الحجر الأسود بلا احترام للمقام وبلا تقدير لرب المكان، ولو كان في حضرتهم وزير أو رئيس لتفننوا في اظهار الوقار! ليتنا نقاتل لنصرة المستضعفين من أهل شهادتنا إرساءً لسنة (إذا اشتكى منه عضو)، بدلا عن قتالهم من أجل سنة التقبيل! وليتنا نصطف وننظم أنفسنا لتقبيل الحجر الأسود وفي غيره من المشاهد كما نصطف للصلاة!

ما يحدث عند ناصية بيت الله ما هو إلا إنذار مبكر لما يحدث عندما يجتمع هؤلاء في الطرقات المؤدية من وإلى الجمرات، فبدلا من أن يتساوى الناس فان بعضهم يكون تحت بعض، وبدلا من أن يأتي الحجيج ليشهدوا منافع لهم فانهم يأتون ليشهدوا مهالك لهم ولأقوامهم! الحج اعمار، فسيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام عندما بنيا البيت دعوا الله فأعمرت دعوتهما الصحراء!

ومن قبل ذلك ما كان السعي إلا بحثاً عن الحياة وما كان ماء زمزم إلا حفظاً للنفس، حفظاً لسيدنا إسماعيل وأمه هاجر عليهما السلام. ورمي الجمرات قطيعة بين أرواحنا وبين إبليس وجنوده، ونحن جعلناها مناسك الحج وفوائده! فلا بعضنا يكترث لحال بعض ولا العبادة فيها من الخشوع وتقديس الزمان والمكان ما يجعلنا نؤدي أركانها برويّة وسكينة! لا يمكنني أبداً أن أتفهم كيف نقتل بعضنا دهساً بسبب التدافع، ولا يمكن التبرير. فلو استقصينا موجة دفع واحدة سنجدها من أشخاص ضاق خلقهم عن انتظار من أمامهم، فدفعوهم رغبة في استعجالهم أو لإفساح الطريق لأنفسهم! الأمر برمته لا يتجاوز كونه أنانيّة مقدسة، ثم عدم اهتمام بعواقب الأمور!

نحتاج أن ننضج قليلاً! ويجب أن يركّز علماؤنا في إحياء روح الأحكام وفقه التزكية، بحيث يسهموا في أن تحقق عباداتنا ما تهدف إليه، حتى لا تزداد الهوّة والجفوة بين المعاملات والعبادات عند المسلمين، فان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. وفي القرآن قال تعالى عن القرابين: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم. وفي الأثر: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً.

ما يستفاد مما ذكرت أن تشويها قد يحدث لتعاليم الإسلام وتطبيقها، وقد بدأت آثاره تظهر حيث ما نظرنا، وتظهر في الانفصام الموجود لدى كثير من المسلمين، فروح الإسلام ضعفت جذوتها وخفت وهجها في وجدان أهل القبلة الواحدة!

اتصل بالكاتب

ياسر محمد عثمان

مهندس at مركز ابحاث الاقمار الصناعية بجامعة الخرطوم
سوداني مقيم في السودان، خريج جامعة الخرطوم كلية الهندسة، قسم الهندسة الكهربائية والإلكترونية، ماجستير جامعة إسطنبول التقنية تخصص هندسة الفضاء، يعمل في مجال الأقمار الصناعية. مهتم بمجال الفكر والعقيدة الإسلامية ومقارنة الأديان، يجد متعة في قراءة الأدب العربي. مهتم بالعمل الاجتماعي ومؤسسات المجتمع المدني.
اتصل بالكاتب

Latest posts by ياسر محمد عثمان (see all)

اترك تعليقاً

Top