لماذا خُلقنا: رحلة المعنى

Chris Potter | flickr

في عصر السؤال و القفز فوق المعتاد تصبح بعض الإجابات – وإن كانت إجابات نهائية – غير كافية لإرضاء الضمير الباحث. فبعض الإجابات يتم تداولها كمخدر مصرح به من قبل المؤسسات المعنية، دينية كانت أو غيرها. و السؤال، في الحقيقة، هو روح الوجود الإنساني.. وإبنه المرهق المُلح ..  ونحن جميعاً في غمرة الحياة القاسية و إنسيابها السلس أمامنا دون أن نلحق بها، غير عابئة بنا، تنتابنا الأسئلة الكبرى و تنخزنا بعض الأفكار كنوبات ألم مزمن نتأكد به من وجودنا، بلا وعي.

و في إطار فكرة الحياة و البحث المضني عن المركز و المطلق الذي نقوم به بلاوعي، و في هروبنا الدائم من الألم و سعينا نحو اللذة، وفي صراعنا المادي و الروحي الذي لا نلقي له بالاً، أزعم أن الإنسان يجد إجابات لأسئلة لم يطرحها بعد، أسئلة ثقيلة ستسقط عليه في تلك اللحظة التي سيفقد فيها معنى البقاء، عندما يصطدم بما في الحياة من مآسٍ و معضلات، و إحباطات، و يصادف النقمة و القسوة و خبث الطوية.. عندما يخوض غمار المجاهدة الأخلاقية و يُدرك أن الكون لن يهتم.. عندما يدرك أن الحياة ليست فقط غير عادلة، بل يظن أنها تتعمد إيذاءه على الرغم من نزاهته. فكما يقول لنا “وودي آلن” صاحب الباع طويل في إخراج الأفلام التي تتناول قضية الأسئلة الكبرى: “أتعلم ! لا توجد إجابات إيجابية حول قسوة هذه الحياة. مهما تحدث الفلاسفة أو رجال الدين أو علماء النفس، فجوهر ما يقال أن هذه الحياة لها أجندتها الخاصة و أنها لا تسير كيفما تريد”. إذاً لمَ نحن هنا ! و ما الذي فرض علينا أن نوجد و نحتار في كون يمضي ولا يعبأ بنا، في هذه الأزلية المجدبة، في هذا الوجود المُوحش المتوحش المسيطر على إمكانياتنا، المُحد لإراداتنا. و هل هو كذلك بالفعل!!

عندما يقفز ذلك الشاب الذكي الألمعي إلى فضاء الشك و رحلة البحث المبهمة و يستجير بذاك الشيخ الجليل المضيء وجهه الباسم ثغره كالعادة الخاوي عقله كالمعتاد[كسلاً] إلا ما حفظ. عندما يسأله ذلك الشاب – الذي بدأ يتململ من واقع لا يطابق النظرية – عن سبب وجودنا و لمَ خلقنا الله عز وجل و ما هي تلك القيمة التي تستحق أن تُوجد ثم نُوجد نحن من أجلها !! مباشرة يبدأ القرص في الدوران داخل عقل الشيخ و يخرج المقطع المُسجلة به الإجابة المعدة التي لا يفهما الشيخ نفسه بوضوح لكنه واثق من أنها الحقيقة فقط، فيبعثر معانيها الحقيقية بأسلوبه الواثق المهذب..المرعب.. فنسمع : ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” و أن الله – يا بُني – غنيٌ عنا و لا يحتاج لعبادتنا في الوقت نفسه و نحن من نحتاجها و يضيف : ” يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله و الله هو الغني الحميد، إن يشأ يذهبكم و يأتي بخلق جديد” ثم يظن – عبثاً – أنه قد أجاب و أفتى، وربما يظن في قرارة نفسه أنه دافع عن حق الله قبل أن يجيب الشاب المحتار. فيطأطئ الشاب الذكي رأسه مؤقتاً ريثما تبدأ دورة شك جديدة يفهم فيها بصورة أعمق.. و يُسكت أسئلته الملحة.

الإنسان بطبيعته كائن باحث عن الغرض، أما داروين – بنموذجه العلمي الحاد – فيخبرنا أن ذلك المفهوم خاطيء، و أن الغرض ليس بالضرورة موجود حول كل شيء. ذلك النموذج الكئيب يخبرنا أننا نعيش في كون عبثي عشوائي بلا معنى، وأن ليس هناك جوهر إنساني متميز، و أن الفرق بين الإنسان و الحيوان لهو فرق في الدرجة فقط و ليس في النوع، و أن الإنسان و الطبيعة شيء واحد لا يتجزأ. هذه الأفكار و إن بدت مقنعة في التجربة و المعمل إلا أنها في الوقت نفسه إنكار جذري للإنسان. إذا كان كذلك و أن الإنسان ما هو إلا إمتداد حيواني -و نحن في خوضنا هذا لا نجادل حقائق العلم – فما الذي يمكن أن يفسر حرية الإرادة، و لم صار الإنسان إنساناً يستطيع أن يناقش إنفصاله عن الطبيعة إذا كان إبنها فقط لا أكثر ولا أقل !!. لم ذلك الحس الداخلي بالإختلاف !؟ إن حرية الإرادة هي ما يميز الإنسان، و تجعله يُدرك و يحس بإختلافه، هي التي تجعله يرتقي و يسعى أن لا يسلك كبقرة أو خنزير أو حصان. إنما يخوضه الإنسان بداخله و عملية تكوين الخزين النفسي و مستوى اللا شعور، و الخبرة، و الإدراك [الوعي] الخارجي الدقيق، لا يحدث لغيره من الحيوانات، فالإنسان هو الذي إختار ذلك ضمن منظومات إجتماعية إختار هو أيضاً تكوينها بصورة ترتقي به. و لو أراد الإنسان أن يعيش كحيوان لكان له ذلك ، فلو أراد أن يعيش داخل حدوده المادية فقط بلا تجاوز لأمكنه. و حرية الإرادة هذه هي ميزان التفضيل و المقارنة بين الحيوان (أو الطبيعة) و الإنسان و هي ما يسميه الدكتور عبد الوهاب المسيري بالميتافيزيقيا الخفية، و النقطة التي يعبِّر من خلالها الإله الخفي عن نفسه. أما علي عزت بيجوفتش فيرى أنه منذ تلك اللحظة المشهودة و المعروفة ب”الهبوط إلى الأرض” لم يعد ممكناً للإنسان أن يختار بين أن يكون إنساناً أو حيواناً، إنما إختياره الوحيد أن يكون إنساناً أو غير إنسان. و أي كان، فالأمر الذي يعنينا هو هذه الحرية و مسؤولية الإنسان عن سلوكه و أفعاله. تلك الحرية التي تفسر الألوهية، فالله وحده هو القادر على أن يخلق مخلوقاً حراً، فالحرية لا يمكن أن توجد إلا بفعل الخلق عند علي عزت بيجوفتش.

و إذا سلمنا بحرية الإنسان ومسؤوليته عن سلوكه فلا يمكن أن ننفي فكرة “الغرض”. فالإختيار [الحرية] ينبني على التفضيل و التفضيل مستمد من مصلحة مبنية على غرض، إذ لا توجد المصلحة منفصلة مستقلة تعرّف نفسها بأنها مصلحة فقط، إذ لا بد للمصلحة أن تستند على الغاية. أما فهم هذه الغاية [الغرض] فهو محل الإختلاف.

لكن لمَ اختار الإنسان أن لا يعيش كالحيوان ؟ أو ليس أنعم له و أهنأ أن يعيش خنزيراً داخل إطاره المادي فقط! فلا يواجه أي صعوبة أو حوجة للفهم، ولا يُجهد روحه بالبحث عن المعنى! لماذا اختار الإنسان التمرد على الحدود المادية و أصرّ على التجاوز!؟

إن القيمة التي يتخلى من أجلها الإنسان عن ماديته و حيوانيته، في الحقيقة، هي عملية الإرتقاء نفسها، فنحن خُلقنا لنرتقي ثم نسعد بذلك الإرتقاء. و في رائعة باولو كويلو “الخيميائي” يذهب “سانتياغو” في رحلة طويلة من إسبانيا إلى إهرامات مصر يتخلى خلالها عن أكثر ما يحب و يتنازل فيها عن أعز ما يملك في بحث مضني طويل ليحقق أحلامه ويجد الكنز الذي ينتظره، ثم يكتشف أن الكنز الحقيقي هو تلك الرحلة نفسها و عملية التنازل و الإرتقاء والمجاهدة الأخلاقية و الحب و المعاناة و كل ما يمر به ليضيف إلى رصيده الإنساني. و فيما يروى أن عبدالله بن عباس عندما سئل عن تفسير “إلا ليعبدون” قال : ليعرفون، إشارة إلى أن القيمة الحقيقية و الغاية من وجودنا هي رحلة البحث عن الله و معرفته. فرحلة البحث عن الله هي ما وجدنا لأجله، تلك الرحلة نفسها هي الغاية الحقيقية وذلك الإنسان الباحث هو الذي يريده الله. الإنسان الذي يسعى وراء الحقيقة ويسعد بإرهاق الحياة له عندما يكتشف أنه صار أعظم بذلك و أرفع شأناً، و أنه قد تغلب على ضعفه و هشاشته و شعوره بالغربة و الوحدة في كون فسيح لا يعبأ به؛ لكنه بالرغم من ذلك، إنتزع معناه. إن هذه المجاهدة الفكرية و الصراع الأخلاقي و الإرهاق الحقيقي للروح و ما يواجهه المرء من منغصات و آلام، و سعادة و ملذات، و التساؤل و الحيرة و المعرفة ومن ثم اليقين النهائي و الإرتقاء هي القيمة الحقيقية والوحيدة التي خلقنا من أجلها و أستخلفنا الله من أجلها لنحققها. أما العبادة و تحقيق العدل و العمارة فهي ثمار تلك الرحلة الطّويلة، و تجلياتها، و مقياس التفاضل فِيمَا بين رحلة و أخرى.

و ما بين الرحلة و ثمارها تجد أن الحياة تسير بالتوازن، لا تظلمك ولا ترهقك ولا تترصدك عمداً كما حسبت، و أن السعادة هي توافق بين ما يريده جسدك و تبحث عنه روحك، و أن الأمان هو في خلق العدل بين متطلبات الحياة و طلباتك. و الحياة في نهاية المطاف هي مسألة إختيارات، و مصير المرء يتكشف بناءً على الخيارات التي يتخذها، و ما لم يتملك الإنسان مفاتيح قيادة الذات و الضبط و التنوير الروحي فلن يستطيع أن يدرك ما يتمناه، فالطيبون يضلون الطريق، يجب أن يمتلكوا الثقة و الأمل الذي يستحقونه و الأدوات اللازمة لتحقيق أحلامهم.

أمجد الخطيب

طالب هندسة كهربائية at جامعة الخرطوم
مهتم بالعمل الثقافي، القراءة و الفكر.

Latest posts by أمجد الخطيب (see all)

اترك تعليقاً

Top