إشكالية عدم وضوح الرؤية الكلّية عند الشباب: أزمة تحديد القدرات والرغبات والفرص

Marco Bellucci | flickr
Image credit: Marco Bellucci | flickr

“إن تأخير تَكوين المثقف/ العامل/ السياسي/ الباحث الشرعي في العالَم العربي أمر يُؤثر في التنمية فهذا يعني أن الكثيرين يتساقطون في أثناء العملية التربوية، وإن من يخرج سليماً منها فإن سنين العطاء عنده تكون محدودة للغاية ”
نقلاً – بتصرف -عن عبد الوهاب المسيري

أزْعمُ أن أحد المشكلات الرئيسية التي أراها في أغلب الشباب من حولي (والتي عانيت منها أنا نفسي) سواء كانوا مُقبلين على الحياة بعد التخرج أو في أثناء دراستهم أو حتى من بادروا وشيدوا لأنفسهم ذخيرة معرفية أو عملية، وبصورة عامة أتحدث عن الشباب بين سن العشرين وسن الثلاثين، هي إشكالية عدم وضوح الرؤية الكلّية لحياته أو التبعْثر في سُبل الحياة ومشاريعها، مثل التَّردد بين أي المجالات سيعمل؛ المجال العَملي أم المجال العِلمي؟ وداخل أي مجال سيختاره ما هي المُشكلات والاهتمامات التي ينبغي أن يعمل عليها؟ ومثل ذلك من الأسئلة المهمة. ولا أذكر أنني جلست مع شاب أو صديق إلا وكان غالباً يعاني من هذه الإشكالية سواء كانت بنسبةٍ كبيرةٍ أو بنسبةٍ أقل.

ومن ناحية عقْلية تحليلية محضة، فهذا أمرٌ طبيعيٌ بدرجةٍ كبيرةٍ في بيئة تربوية وسياسية مثل بيئتنا لثلاثة أسباب فيما أري:

أولها: أن تحديد المسار أو المشروع العملي أو العلمي يكون بصورة عامة وفقاً لثلاثة أمورٍ رئيسية يمكن تلخيصها كما يلي:
1. القدرات: معرفة الإنسان بقدراته وإمكاناته ونقاط ضعفه وقوته.
2. الرغبات: معرفة الإنسان بميوله وتفضيلاته الشخصية.
3. الفرص: معرفة الإنسان بالفرص التي تقذفها الحياة أمامه والتحديات التي تفرضها الحياة عليه.
والأمر المزعج هو أن هذه الثلاثة ليست ثابتة في بيئتنا التعليمية والتربوية والسياسية فلا يوجد في نظامنا التعليمي والتربوي أيُ منظومة أو مشروع أو حتى مقاربة عملية تساعد الطالب على اكتشاف قدراته وإمكاناته، وعلى اكتشاف ميوله ورغباته الشخصية، كما لا يوجد نظام سياسي عادل ومستقر يمْكن للطالب معه أن يتنبأ بحجم الفُرص التي يمكن أن يجدها في أي طريق من طرق الحياة. هذا الواقع يجعل من هذه الأمور الثلاثة متغيرة بصورة مستمرة، فكلما زادتْ خِبْرةُ الإنسانِ وعِلمُهُ كُلما بدأ في اكتشاف إمكاناته وميوله ومعرفة الفُرصِ واحتمالية حصولِهِ عليها. هذا الواقع المتغير لهذه الأمور يخلق عدم الوضوح في الرُّؤْية الذي تراه متفشياً جداً والذي بدوره يؤدي للاضطراب في مسارات الحياة وعدم الانضباط بمسار كُليّ عين للمرء في حياته، مما يجعل جهود المرء مبعْثرة في طرائق متعددة، ولا يوجد مجموع لهذه الجهود في طريق معين يثمر إنجازاً يحفز الإنسان على المضي في ذلك المسار، فينظر الشاب فيما قدم فيجد جهوداً مبعثرةً موزعةً فلا يكون مردود ذلك إلا الإحساس بالعجز والخَور.

وثانيها: أن البيئة التي نعيشها هي فعلاً سبب للتبعثر، فإذا افترضنا أن هذا الإنسان الذي يسعي لهدف معين أو مشروع كبير في حياته يكون مدفوعاً بالقيم والأخلاق وبتنمية وتطوير حال بلاده وأهله فإن الواقع الذي نعيشه هو واقعٌ متدهورٌ على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية والعلمية، مما يُشعر هذا الإنسان بالرغبة في التحرك في كل الاتجاهات والمساعي فالإناء كما يقولون “مخروقٌ من كل مكان”!

الأمر الثالث، لا أبالغ إن قلت إن حالة عدم الوضوح في الرُّؤْية في هذه الفترة (بين العشرين والثلاثين عاماً) هي سمةٌ غالبةٌ لكثيرٍ ممن أنجزوا مشاريع عظيمةً ونبغوا في مجالاتهم، ولو تواضعنا في العبارة فهي “نمَطٌ غالبٌ” ومنتشرٌ في كثيرٍ ممن نجحوا وبرّزوا في هذه الحياة، كنتيجة طبيعة لعدم معرفة الإنسان الكاملة بذاته بالأمور الثلاثة التي سبق أن ذكرناها. ولا زلت أذكر مقولة قرأتها للمسيري في فترة تخرجي من الجامعة عندما كنت أقرأ كتابه “رحلتي الفكرية” أعادتْ إليّ بعض الأمل، يقول المسيري: “أذكر واقعة حدثت لي في الولايات المتحدة. كنت في سن الأربعين تقريبا، وكانت إحدى عاداتي أن أجري في الحدائق في المدينة الجامعية لأخفف من حدة التوتر الذهني ولأزيد من لياقتي البدنية. وبينما كنت أعدو، وجدت بعض الشباب في سيارة يقولون بسخرية: “اذهب واحرق نفسك”. وحينما استفسرت من أصدقائي، أخبروني أنني في مثل هذه السن لابد أن أعاني مما يسمى أزمة منتصف العمر والتي تعني أن ما تبقى من عمري أقل مما فات، وأنه لا يوجد مجال للتجريب والخطأ. فدهشت كثيرا لأنني لم أكن قد بدأت حياتي الفكرية بعد، وأعرف كثيرا من المفكرين والأدباء في الشرق والغرب والشمال والجنوب ممن بدءوا حياتهم بعد سن الأربعين !! ” تأمل كيف أن رجلاً بقامة وفكر وإنجاز المسيري بدأ حياته الفكرية بعد الأربعين، وليس هذا فحسب بل إن الرجل يعرف كثيراً من المفكرين والأدباء في كل أنحاء العالم قد بدءوا حياتهم بعد سن الأربعين!

هنالك مقال لطيف في هذا المعني اسمه What 11 Highly Successful People Were Doing in Their 20s ستجد فيه أن أكثر الناجحين في حياتهم كانوا يفعلون أشياء لا علاقة لها لا بإمكاناتهم ولا بشغفهم الحالي ولا بالنجاحات التي حققوها، ومثل هذه القصص كثير فيما أعلم!

ما العمل إذاً؟!

أغلب النصائح التي تتحدث عن أي قضية تتعلق بالشأن الإنساني من زواج أو عمل أو دراسة أو وضوح رّؤُية تُعاني من مشكلةٍ بُنْيويةٍ في ذاتها، وذلك أنها تُقدَمُ على أنها حكمةٌ أو نصيحة! وفي الحقيقية فإن النصائح أو الحِكم في هذا الشأن مثلها مثل غيرها من النصائح الاجتماعية الإنسانية التي قد تصل حد التناقض الذي تجده في أبسط الحِكم والأمثال مثل التناقض بين المَثَلين: “كل قارب له قبطانان، سيغرق”، وبين المثل الثاني: “رأسان خير من رأس واحدة”، بتأمل بسيط في هذين المثلين وفي غيرهما من الأمثال والحكم المشابه سيخرج القارئ بالتناقض الصريح بين كثير من هذه الحكم والنصائح.

يقول سلافيوي جيجك في هذا المعني: “أعتقد بأن الحِكْمة هي أكثر ما يمكننا تخيله إثارة للاشمئزاز، الحكْمة هي أكثر السبل تنميطاً وإلزاماً، فمهما فعلتَ في حياتكَ فسيأتي رجلٌ حكيمٌ من بعدكَ ليبرر ما قمتَ به، كأن تقوم بشيء فيه مجازفة وتنجح، فسيأتي رجل حكيم ليقول شيئاً مقارباً لحكمة سلوفاكية – جيجك من سلوفاكيا – قد تكون في بلادكم شيءٌ قريبٌ منها وهي: “لا يربح إلا من يجازف”، لنقل في المقابل أن شخصاً آخر قام بنفس ما قمتَ به ولكنه فشلَ، فسيأتي حكيم ليقول عن تجربة ذلك الآخر شيءً مقارباً لمثل سلوفاكي كذلك ينص على: “لا تستطيع التبول عكس الرياح”، هذه هي الحكمة، مهما فعلت فسيأتي رجل ليبرر ما فعلته، لذلك كان كيركغارد مناهضاً للحكمة، كل ما تقوله تستطيع تسويقه كحكمة “هذه هي مشكلة حقيقية في كل مقولة يمكن أن نُسميها حكمة غير مسبوقة بتحليل جيّد، وفي كل رجل يدعي هذه الحكمة!!!

هل هذا يعني فشل أو خطأ أي حكمة أو مثل من الأمثال السابقة التي ذكرتها أو التي ذكرها جيجك؟! بالتأكيد لا وهذه نقطة خلافي مع جيجك في تعميمه ونقده للحكمة، فأي نصيحة اجتماعية لا يُصطحب فيها سياق المرء الذاتي ستكون فاشلة، وسنطبق فيها النقد السابق الذي ذكرناه، إذاً فنجاح النصيحة الاجتماعية يكون غالباً مرتبطاً بمعرفة السياق! وإذا كان السياق الشخصي، والسياق المكاني، والسياق الزماني كما ذكرنا في أول هذا المقال لا تساعد إلا على المزيد من الإضْلال، فما العملُ إذاً!

الإجابة ببساطة هي: الانخراط في تجربة عملية والاحتكاك بالواقع مباشرةً! نعم، أفضل شيء يساعد في اكتشاف وتحديد الرُّؤْية هو الانخراط في تجربة عملية (سواء في المجال العَملي، أو في المجال العِلمي) وهذا ليس من قبيل الحكمة أو النصائح التي سبق أن انتقدناها، ولكن هذا من باب استكمال التحليل الذي بدأناه في هذه المقالة. فإذا كنا قد قررنا أن تحديد المسار والرُّؤْية يعتمد بصورة رئيسية على ثلاثة أمورٍ رئيسيةٍ: أولها هو معرفة الإنسان بقدراته وإمكاناته ونقاط ضعفه وقوته، وثانيها هو معرفة الإنسان بميوله وتفضيلاته الشخصية، وثالثها هو معرفة الإنسان بالفرص التي تقذفها الحياة أمامه والتحديات التي تفرضها الحياة عليه، فإن أفضل طريقة لاكتشاف هذه الثلاثة الأمور في حياة المرء هي الاحتكاك والانخراط في الواقع، وليس بالتفكير المجرد أو التأمل (مع اعترافنا بأهمية هذا الشيء وأنه لابد منه).

وذلك أن الاحتكاك بالواقع يساعد على معرفة هذه الأمور الثلاثة بصورة أقرب إلى الحقيقة من التفكير المجرد، وأنا عندما أتحدث عن هذه النقطة كثيراً أضرِبُ مثالاً ناتجاً عن تجربة شخصية، هي تجربة زواجي، فأقول إن تصوّر الإنسان عن الزواج وعن مواصفات الزوجة التي تصلح له لا يكتمل ولن يكتمل بصورة كاملة إلا بعد البداية الفعلية في الارتباط والزواج وذلك أن تصوّر المرء عن الزواج وعن المواصفات التي تصلح له، هي أفكار يعتقد هو أنها تصلح لنفسه، لكن هل هي فعلاً تصلح له؟ هذا السؤال يُجيب عليه بصورة أكثر عمقاً الانخراطُ والاحتكاكُ في إجراءات الزواج. لذلك تجد أن كثيراً من الصفات التي كان يراها الرجل مهمة جداً ولا يمكن أن يتنازل عنها، يمكن بعد الاحتكاك والانخراط الفعلي بإجراءات الزواج أن يتنازل عنها، وكثيراً من الصفات التي لم يكن يتصور المرء أنه سيهتم بها، قد يكتشف أنها صفات رئيسية بعد الانخراط الفعلي في اجراءات الزواج. فالواقع هو الاختبار العملي لجودة الأفكار والتصورات عن الذات تحديداً. ومن خلال الانخراط المسبوق بتخطيط علقي وتفكير، سيكون الإنسان قد أوجد مقاربة أكثر تماسكاً وحقيقة عن الثلاثة أمور الرئيسية لوضع أي رّؤية أو خطة.

والأهم من ذلك أن يقف الإنسان بعد ذلك ثم يُقَيِم تجربة الاحتكاك بالواقع، ثم يبدأ بالتعديل في رؤيته وخططه والسؤال والمناقشة لمن يثق في عقلهم وأفكارهم، فالحياة كما يقول المسيري (ووفقاً لتحليلنا السابق الطويل) رحلة استكشاف مستمرة، رحلة نجاح وفشل وتحقق وإحباط، وعلى المرء أن يدرك ذلك، عليه أن يُبقي عقله منفتحاً على العالم وعلى تجاربه، يُحاوِلُ فهمها ثم يتحرك، وعلى المرء ألا يحاكم الماضي وإنما أن يستفيد منه وأن يتحرك في المستقبل، فالمستقبل هو دائماً مجال الحرية، والماضي هو مجال العبرة، وعلى المرء أن يحاول أن يكتشف ما بداخله فإن كان شراً فليحاول فهمه وتقويمه، وإن كان خيراً فليحاول التعبير عنه.

وأخيراً فلابد من الإخلاص في السعي، فمع الإخلاص تعملُ يَدُ الله، التي تُقوِّمُ النقصَ، وتُبارِكُ في الفعلِ والثمرة.

اترك تعليقاً

Top