البطولة والرذيلة في براثن العمل في السودان في تناقضات المخيلة المنحرفة

United Nations Photo | flickr

ثمة أمر في غاية الإثارة والتشويق يتعلق بالهوس والولع بقضايا عمل المرأة وحقها في هذا العمل، وربطه بصورة غريبة (دائمآ) بالشرف. وهذا الولع من جانبين جانب المجتمع العادي ونظرته القيمية لمدلولات أي جهد ونشاط إقتصادي ما، خصوصاً مجتمع الشمال والوسط المحافظين من ناحية، ومن ناحية أخرى، مجتمع المثقفين خصوصاً اليساري منه. إذ يُلحظ أن هناك تركيز واهتمام معين بمجالات محددة للنشاط الاقتصادي المتعلق بالنساء يتم بانتقائية من الشريحتين. نفس هذا الانتقاء يتم عبر مراحل. مرحلة التعاطف فمرحلة التفهم أو الكراهية والاستهجان وثم مرحلة الحق القانونى من عدمه وأخيرآ مرحلة اضفاء نوع من الصورة القيمية الرمزية على الجهد والنشاط الإقتصادي الإجتماعي واعتباره نوع من النضال الكفاح أو العكس: تجسيد للرذيلة وأسم آخر للدعارة. فنبدأ بالشريحة الثانية (بعض مثقفي اليسار) وهنا نتخير على سبيل المثال لا الحصر ظاهرة “ستات الشاي” الاجتماعية، المثيرة للجدل في بعض الأوساط في السودان. فهذه الظاهرة مرت بكل هذه المراحل من “التعاطف” كشعور إنساني إلى الحق القانوني ثم أخيرآ إلى “البطولة” بمدلولاتها الوردية والرفعة في المكانة. من غير أي تساؤل نقدي يتعاطى مع الظاهرة يحلل ويفكك سبب ظهورها للسطح إلى انتشارها أو سبب استهجان البعض لها. وهذا موجود بطبيعة الحال وليس بجديد في أدبيات اليسار منذ أيام روسيا السوفييته لاسيما “بطل العمل” المشهور الذي كان يُعطَى أشكالاً وألواناً من الميداليات والاوسمة. أو قبل ذلك إعتبار ماركس للعامل “proletariat” بطلاً.

Carsten ten Brink | flickr
Image credit: Carsten ten Brink | flickr

في المقابل على الصعيد الاخر، أي صعيد الوسط الاجتماعي الشعبي المحافظ والقاسي بعض الشيء في تسويقه لأحكامه بصورة فيها تفسير قيمي لبعض النشاطات الاقتصادية اللتي تدخل في دائرة المباح والتكسب الحلال. أما هنا فنخص قضية الهجرة أي بالنسبة للنساء الى دول الخليج للعمل في الخدمة أو التربية المنزلية. فعلى غرار ظاهرة “ستات الشاي” كانت هناك إنتقائية في خص هذا النشاط تحديداً وإلباسه لباساً معيناً من القيمية وربطه به، من دون الاعتراض عليه كفكرة ثم الانتقال الى إعتباره “خط أحمر” ومسألة شرف بالنسبة للمرأة السودانية، ووصف العاملات في هذا المجال “بالحرائر” وإرجاعهن إلى أهلهن عزيزات شامخات كما رأينا في حادثة الجوف مؤخراً بصورة مثيرة للغرابة والاهتمام.

في كلا الحالتين تمت عملية الانتقاء وإضفاء الصبغة ذات الدلالات القيمية و الرمزية لقضية الشرف على النشاط والجهد الاقتصادي الإنساني. فلا تعدو أن تكون هناك ثمة إستثنائية ذات قيمة تذكر لكلا النشاطين كونهم لايتميزون عن غيرهم عن النشاطات الانسانية المتاحة في محاولة ومزاولة التكسب اليومي للقوت ولايختلفان جوهرياً عن ما لم يتم إنتقائه من النشاطات الاخرى. فهذه الانتقائية تعكس فيما يبدو هيمنة تصورات مسبقة ذكورية متسلطة ومنحرفة perverted على صورة المرأه ودورها في المجتمع من وجة نظر الشريحيتن، سواء الشعبي المحافظ أو من مثقفي اليسار. ويمكن القول أن هناك اسباب إيديولوجية تخص نماذج وأدبيات تحرر المرأة (التحرر الاجتماعي) باعتباره تحرر ضد المجتمع المحافظ والذي مازال يعتبر الدين له مكانة في هذا المجتمع فتسربت هذه النزعة إلى قطاع معين من اليسار ممن تعاطى مع ظاهرة ستات الشاي.

الخدمة أو التربية المنزلية في مقابل ستات الشاي يمثلان تمظهر وتمثل للتضاد والاصطدام بين تصورات مخيالية ذكورية متناقضة في المجتمع من غير عقلانية أو إعتدال، من حيث الانتقائية والتشديد على إلباس صبغ معينة سواء مدحا في اعتباره بطوليه وكفاحيةً أو قدحا في ربطه بالرذيلة او الدعارة في احلك الظروف.

قد يسأل سائل عن الحلول المقترحة طالما تُطرق لهذه الظواهر، نقول في بعض الأحيان قد لايتسع المجال لتقديم مقترحات في قوالب جاهزة وقد يكون مرد هذا لعدة أسباب منها غياب العدة والعتاد أو عدم توفر الفرصة المناسبة للمبادرة بالحل. وهذا موضوع يجب تقبله، ففي بعض الأحيان يجب الصبر في مرحلة من المراحل على وضع معين، وهنا أشير للدراسات العلمية في علم النفس، التي تؤكد أن “التسامح مع الضبابية” ambiguity tolerance أمر في غاية الأهمية اذ يساعد التسامح مع الضبابية مع مرور الوقت في تبلور وظهور الحلول لأنه يصحبه تفكر وتدبر يضفي بالضرورة لحل ما في الأفق لذلك اقتصر في هذا المقام على التحليل والنقاش والاكتفاء بذلك.

أخيراً و على كل حال فإن الحالتين تعكسان الولع والهوس الهستيري بقضية الشرف (ليس هذا اعتراض على مفهوم الشرف لكن هذا التعاطي في نظرنا غير علمي وغير شرعي) وعلاقته بشكل معين من السلوك والأعمال والتصرفات في المجتمع. يجب محاولة البحث والنقاش حوله حتى يتثى فهم مجتمعاتنا بصورة فيها وعي أكثر.

ابن عمر طه الرفاعي

معهد الشرق والعلوم السياسية at جامعة زيورخ
مواليد 1988 جدة بالمملكة العربية السعودية، سوداني مقيم في سويسرا يدرس في معهد الشرق والعلوم السياسية بجامعة زيورخ. ناشط وباحث في الفكر الإسلامي، تاريخ الأفكار، المعرفة والسلطة وتاريخ الأعراق في السودان.

اترك تعليقاً

Top