إنطباعات مسلم إنطباعي عن الفاتيكان

Ibn-Omar Taha | Facebook
Image: Ibn-Omar Taha | Facebook

زيارةُ الفاتيكان هي زيارةٌ تأمليةٌ خاصةٌ تعني ليَ الكثير، فهي تُظهِر لي كيف يتعامل الناسُ مع أصولهم وتقاليدهم و كيف يصونون تراثهم التاريخي في ديانةٍ ضخمةٍ بحجمِ المسيحية الكاثوليكية. فالفاتيكان بالنسبة للكاثوليك هو مثل مكة المكرمة في مكانتها عند المسلمين، فأذكر أنني في العام 2004 اعتمرت إلي مكة فذُهِلتُ بعظمة المكان و الأثر الذي يتركُهٌ في وجدان نفسي، هذه العظمة، عظمةُ المنسكِ والمشعرِ وشعاعِ نورِهِ و الفيضِ الروحي الذي يُغذِينا، ويملأُ دواخلنا والزيادة في الإيمان بديننا، الرضا عن خالقنا وطلب رضاهُ عنا. بالرغم من صغر سننا إلا أنه كان شيئاً لا يوصف في قوته وعظمته، وإذا بي بعد أكثر من عشر سنين أزور الفاتيكان والفضول يملأني. تساءلتُ هل سأجد شيئاً في الفاتيكان يُشبِهُ ما عند المسلمين؟ هل مازال الكاثوليك بقوتهم ودفعهم الديني كما كانوا في السنين و العهود الغابرة؟ أم أن كل هذا انتهى أمام جرف الحداثة والعلم الحديث؟

Ibn-Omar Taha | Facebook
Image: Ibn-Omar Taha | Facebook
Ibn-Omar Taha | Facebook
Image: Ibn-Omar Taha | Facebook

وإذ بي أسوحُ في أرجاء هذه الدويلة ملتقطاً الصور ومتأملاً في العلائق بين التاريخ والحاضر لم أرَ شيئاً غير إنسانٍ يطأ برجله كل شيئٍ يمثل معنى ومغزي. يركل برجليهِ كل ما هو إيماني وديني. وكأني بكائنات متوحشة تسير بلا هدف و بلا معنى، نصف عراة يجولون في أرجاء المكان الذي لا يمثل لهم إلا مناسبة  للنزهة والسياحة وليس مكاناً لأخذ العبر والدروس.

وأنا أجول خطر ببالي جدالنا ونقاشنا حول إمكانية فتح مكة لغير المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم، وكنا نستدل بالايات: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} أو غيرها مثل {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} تدعيماٌ لهذا الطرح. فكنا نرى أننا إذا فتحنا مكة لغير المسلمين من المهتمين لاسيما أن مكة وصحنها المبارك لهما إشعاع وفيض يترك أثره عند كل زائرٍ فلماذا لا تُفتَح ونُعمِمُ الخير على الإنسانية الآن؟ وبعدما رأيتُ ما رأيتُ في الفاتيكان وبعد أن صُدمت، قلت لنفسي لا شك أنني سأغير هذا الطرح، نظرآ لهذه التجربة. إذ مازالت البشرية المعاصرة ترزح في نير الطغيان المادي المعاصر وتوحش الإنسان المعاصر وغيه الذي لا يحترم شيئاً من استدلالاتك ومقاصدك الجيدة.

 
لابد أن تبقى هذه المكانة كما هي بعكس الفاتيكان، تُحفَظُ للتفرغِ و التعبدِ و التنسكِ والتقربِ إلي الله، وليس للسياحة المدمرة والمدنسة. أمر أخر لاحظناه هو الفرق الهائل بين المسلمين في قوة تدينهم وبين أتباع الديانة الكاثوليكية، فيظهر جلياَ أن المسلمين باختلاف تدينهم لديهم تفانٍ وهم يقيمون مناسكهم وشعائرهم بعكس الكاثوليك وهم في الفاتيكان، فيظهر فيما يبدو أهتمامهم وولعهم بالطقوس والشكليات على عكس المسلمين. مع هذا، لاشك أن هناك رهباناً يتعبدون الله له خاشعون ومدنون له قانتين فمهما كان نحاول تجنب التعميم المخل.

ابن عمر طه الرفاعي

معهد الشرق والعلوم السياسية at جامعة زيورخ
مواليد 1988 جدة بالمملكة العربية السعودية، سوداني مقيم في سويسرا يدرس في معهد الشرق والعلوم السياسية بجامعة زيورخ. ناشط وباحث في الفكر الإسلامي، تاريخ الأفكار، المعرفة والسلطة وتاريخ الأعراق في السودان.

2 thoughts on “إنطباعات مسلم إنطباعي عن الفاتيكان

اترك تعليقاً

Top