لدي جميع المتفائلين شيء مشترك: أنهم دائما متأخرون!

Veri Ivanova | stocksnap.io
Image credit: Veri Ivanova | stocksnap.io

أستيقظ كل يوم في السادسه صباحا أي قبل ثلاث ساعات من موعد الدوام، إلا أنني دوما أصل متأخرا عشر دقائق من الموعد المحدد. لقد أصبح هذا أمرا ثابتا بالنسبة لي. أن أتاخر دائما بضع دقائق مع أني لا اقصد شيئا بهذا ولا أتوقع أن ألقي معاملة خاصة، ولكن ببساطة هكذا أنا! أصحو باكرا واحاول أن أقضي الوقت قبل الذهاب إلي العمل بنشاطات تتنوع بين التمارين الرياضيه القصيرة إلي تناول الإفطار و متابعة الاخبار وربما يصل الأمر إلي الغرق في بعض التخيلات وانا أرتدي جواربي! وحين أنظر إلي الساعة أقول “مازال لدي الكثير من الوقت”. وبعد قضاء مهمة أو اثنتين أجد ان لدي فقط 40 دقيقة لأصل الي المكتب بينما يستغرق الطريق من البيت إلي المكتب 45 دقيقة.

كانت ولا تزال هذه حالتي في أي عمل أتلقاه و ينطبق هذا الأمرعلي اللقاءات الاجتماعية أيضا. أنا بالفطره غير منضبط في مواعيدي و لست الوحيد علي ما يبدو! تشير مستشارة التحكم ديانا ديلونزور إلي أن:

“أغلب المتأخرين كانوا متأخرين طوال حياتهم في أي نشاط جيد كان أو سئ. ما يدعو للمفاجاة أنه لم يتم إجراء كثير من البحوث في هذا الموضوع. ولكن يميل أغلب الخبراء إلي نظرية أن أصل هذه المشكلة يعود إلى تركيبتهم الدماغية”.

 فإن كنت متأخرا بصورة مزمنه فأنا أتعاطف مع كثرة الانتقاد الذي تتعرض له بصورة دائمة. و أنا أدرك تماما أنك لست شخصا كسولا غير منتج أوغير مراع للاخرين، وأدري أنك لا تقصد إهانة أي أحد بتأخرك. ولكن ببساطة فإن تأخرك هو عاقبة نفسيتك وشخصيتك لا أكثر من ذلك ولا أقل. مع أن هولاء الأشخاص يجب عليهم العمل علي التغلب علي هذه الصفه إلا أن لها فوائد مخفية أيضا، فالأشخاص المتأخرون دوما هم أكثر تفائلا من غيرهم لأنهم يعتقدون أن بإمكانهم إنجاز أكثر من مهمه في وقت وجيز. بينما يجعلهم هذا غير واقعيين و غير دقيقين في تقييم الزمن لكنه ومع مرور الوقت يثمر حقا! أثبت الباحثون أن للتفاؤل كثير من الفوائد الصحيه تتراوح من تخفيف الشعور بالقلق وتقليل خطورة أمراض القلب الي تقوية جهاز المناعة للإنسان. حقا إن هنالك رابط بين السعادة والإيجابية والحياة لمدة أطول.

تلعب المحافظة علي توقعات إيجابية دورا هاما في تحقيق النجاح الشخصي. كما أثبتت الدراسات أن السعادة تزيد من معدلات الإنتاجية والإبداع والعمل الجماعي في مكان العمل. يبدو كل هذا منطقيا جدا حيث أن هناك دراسة أجريت بولاية سان دييغو ربطت بين التأخير مع نوع من الشخصيات يمتاز ذووها بالهدوء وسهولة المعشر. بمعني اخر المتأخرون بعادتهم لا تهمهم تفاصيل الأشياء بقدر ما يهمهم الهدف النهائي فإنهم ينظرون للمستقبل كأنه بحر واسع من الإمكانيات والفرص.

الوقت نسبي؛ تعلم أن تعيش اللحظة!

يجب علينا أن نتنبه إلي أن مفهوم الانضباط  مفهوم نسبي. فالوقت والتأخير لهما معاني كثيرة قد تختلف من سياق لاخر ومن ثقافة لأخرى. ففي الولايات المتحدة الأمريكية يُعتقد أن التاخير نوع من أنواع الإهانة أو دليل علي ضعف أخلاقيات العمل. وعندما يتأخر الناس هذا يعني أن وقتهم أكثر قيمة وأهمية، لذا يعتقد الأمريكيون أن الوقت هو المال والمال هو الوقت. ولكن إذا توجهت صوب أوروبا تجد أن مفهوم الوقت يتغير بصورة سحرية كلما ولجت الي مدينة جديدة. للوقت في ألمانيا  – أرض الكفاءة الدائمه – أهمية قصوى. فعلي سبيل المثال  حينما تأخر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن اجتماع مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل انصرفت عن الاجتماع لأن هكذا يتصرف الالمان. اما اذا اتجهت نحو أسبانيا سوف تجد أن للوقت شخصية مختلفة تماما. فالأسبانيون يعملون وفقا لزمنهم الخاص ومعروف عنهم أنهم قد يتناؤلون وجبة الغداء في الساعة العاشرة مساءاً! أما إذا أبحرت تجاه أمريكا اللاتيتنه ستلاحظ أن للوقت أهمية ضئيلة تكاد تنعدم. الخلاصة هنا اننا جميعا نفعل الاشياء علي طريقتنا الخاصة.

من العدل بمكان أن نزعم أن عدم الانضباط يضر بالنمو الاقتصادي كما أن الجدولة تعتبر أساسية لضمان استمرارية الكفاءة. ولكن عندما ننظر إلي أن الامريكيين يعملون لساعات طوال ورغم ذلك يتضاءل مستوى إنتاجيتهم نجد أن هذا الزعم فارغ وباطل. لذلك يجب علينا جميعا مجتمعات وأفراد خلق توازن صحي بين الانضباط والتاخير. فالجدولة والتنظيم أمران مهمان ولكن خرقهما لا يعتبر نهاية العالم.

الذين يميلون للتاخير يحبون اسشنشاق الورود وبإمكان أصحاب النزعة الي الانضباط تعلم شي منهم والعكس صحيح ايضا. لا يفترض للحياة أن تكون مخططة لأدق التفاصيل فاالتشبث بالمواعيد لدرجة بعيدة يعني عدم المقدره علي الاستمتاع باللحظة. فالمواكبة ضرورية لسلامة العقل لدينا فلا يمكننا امضاء الوقت بالانغماس في الماضي أو بالتفكير في المستقبل وينتهي بنا الأمر مفتقدين إلي الأشياء الرائعة التي  تمر بنا.

مترجم عن: Optimistic people all have one thing in common: they are always late

يســـرا عبدالعظيم

محاضر at كلية الاداب - جامعة الخرطوم
تخرجت من قسم اللغة الفرنسية والإنجليزية لكن اهتمامها منصب أكثر علي اللغة الإنجليزية والترجمة علي وجه الخصوص. حاصلة علي عدة جوائز أكاديمية من جامعة الخرطوم، وحاليا مسؤولة عن فحص الجودة في الكلية.

Latest posts by يســـرا عبدالعظيم (see all)

اترك تعليقاً

Top