الفشل الدستوري (2): حول النص الجامع واستمرارية التحسين

Cliff | flickr
Image credit: Cliff | flickr

نبدأ بالاعتذار في تأخر كتابة المقال نظرا لظروف السفر المتلاحق داخل القارة الأمريكية، الأمر الذي أتاح لي التفرغ لاستكشاف جزء يسير منها. غير أن الدستور الأمريكي لم يكن بعيدا مني وأنا أتنقل بين الولايات الفسيحة دونما أي عوائق ومستخدما لأكثر من وسيلة للتنقل. لم يكن بعيدا أبدا حيث شاهدت بأم عيني كيف تنزل النص الدستوري واقعا في محاولته الوصول لاتحاد كامل بين كل الولايات الأمريكية.

المتفحص للدستور الأمريكي يجد فيه الاستخدام الدقيق والحذر للغة، بل أيضا تحري استخدام ألفاظ تشير إلى حرية التطور والتحسن في النص نفسه، وهذا ما تدل عليه عبارات مثل:

“In Order to form a perfect Union, establish Justice, insure domestic tranquility, provide for the common defense, promote the general Welfare, and secure the Blessings of Liberty to ourselves and our Posterity, do ordain and establish this Constitution for the United States of America”.

إن نص الدستور الأمريكي والكلمات التي كتبت فيه يدل على تمكن رهيب من قبل الآباء المؤسسين في علم اللغة والسياسة والقانون، وهذا يعد نتيجة للاختيار الصائب والشامل لمؤتمر صياغة الدستور الذي انعقد في مدينة فيلادلفيا 1787. ليس هذا فحسب، بل إن الدستور تحرى مراعاة توزيع السلطات، تأسياً بالتجربة الرومانية وخصوصا الفيلسوف الروماني ماركوس سيسيرو الذي يعد المنظر الدستوري الأبرز بعد أرسطو. سيسيرو كان من الأوائل الذين دعوا لفكرة الدستور الشامل أو الخليط الذي يتضمن جزءا ملكيا وأرستقراطيا وديمقراطيا تبعا لطبقات المجتمع الروماني آنذاك. عمِل الدستور الأمريكي على توزيع السلطات حتى لا ينشأ تركيز القوى في مكان واحد أو يد واحدة فيما يسمى في السياسة الأمريكية (Checks and Balance) و الذي يقوم على توزيع السلطات ما بين السلطة التنفيذية و التشريعية و القضائية (ما بين الرئيس و البرلمان و المحكمة الدستورية). كما تتوزع السلطات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات الأمر الذي يحد من سلطات الرئيس والجانب التنفيذي فيما يتعلق بشئون الولايات الخاصة.

يتم اختيار الرئيس وممثلي الكونغرس بنظام التصويت المباشر (حيث يصوت المؤهل للتصويت على رئيس الجمهورية وممثله في الكونغرس وحاكم ولايته وممثل ولايته في البرلمان الولائي) كما يتم اختيار أعضاء مجلس الشيوخ ولكن بفترات زمنية أبعد ومن هنا جاء اسم الشيوخ وهم يمثلون مجلس الحل والعقد من حكماء المجتمع الأرستقراطي كما أشار إليهم أرسطو وسيسيرو من قبل. توزيع السلطات ليس شيئا كماليا في الدستور الأمريكي بل هو نتيجة لواقعية فهم الانسان ككائن بشري، يجتذبه الشر والخير، فهو ليس كائناً ملائكياً كما ادعت بعض الدساتير. قام الدستور الأمريكي منذ البداية على كبح مكون الشر لدى الانسان وحبه للسلطة كما أشار الى ذلك وليام كودي في تحليله لقضايا الديمقراطية والوطنية على ضوء الدستور الأمريكي. إذاً جاء توزيع السلطات لسد الطريق على تسلط الفرد أو الجماعة، فللرئيس أن يتجاوز الكونغرس بالفيتو ولكن للكونغرس الحق في إلغاء الفيتو بأكثر من ثلثي الأعضاء (هنا يتجلى نظام الضبط والاتزان في التجربة الامريكية الدستورية).

بمقارنة سريعة مع أول دستور سوداني – ونقصر المقاربة هنا عليه لأنه كان أكثر تمثيلا لمختلف الطوائف من لاحقيه ولأنه كان محاولة تأسيسية للأمة السودانية بعد الاستقلال – نجد أن من أقر الدستور الأول أقر في الحقيقة قانونا مستوردا كان يستخدمه الحاكم العام البريطاني لإدارة شئون البلاد، ورغما عن وجود نصوص في الدستور تتعلق بتنظيم شئون مجلس الشيوخ والبرلمان ومجلس السيادة، الا أنه لم يتطرق إلى كيفية انتخاب البرلمان، في مغالطة غريبة إذ وجد الدستور نفسه وليد برلمان تأسس قبله. لم يوضح الدستور أيضا الفروقات بين السلطات الثلاثة في الدولة، إلا في بند اختصاص البرلمان في النظر في شئون العلاقات الدولية من اتفاقيات وحروب، كما لم يتضمن شرحاً لكيفية تنظيم العلاقة بين البرلمان والجهاز التنفيذي والجهاز القضائي، مثلا ماذا يحدث إذا رفض البرلمان إقرار مشروع من الجهاز التنفيذي؟ وماذا إن رفض البرلمان مشروع قرار من مجلس السيادة؟ الأمر يحتاج الى توضيح أكثر. هذا بالإضافة إلى تطرق النص الدستوري إلى قضايا تفصيلية أراها مخلة بالدستور نفسه كمرتب رئيس مجلس السيادة مثلا.

إننا إذ نذكر تلك التجربة السودانية الأولى في ضوء التجربة الأمريكية، نستحضر بعض السقطات التي تمت في ذلك الوقت وتمكن الأمريكيون من تجاوزها، وهي بالطبع قياس إلى المثال الأمريكي الذي ينطوي على سقطات أيضا، غير أن تطوره المستمر وقابليته للتطور جعلت منه مثالا أقرب للكمال من بين تجارب الدساتير الديمقراطية في العالم أجمع.

* يحتاج هذا البحث الى آرائكم، خصوصاً أهل القانون و الدستور.

ياسر زيدان
لمتابعة ياسر

ياسر زيدان

من مواليد 1991، سوداني يدرس ماجستير العلاقات الدولية والأمن القومي بمعهد السياسة العالمية بالعاصمة الامريكية واشنطن. مهتم بقضايا الشرق الأوسط وترشيد الحكم في البلدان النامية، كما له عدة أبحاث متعلقة بالسياسة السودانية.
ياسر زيدان
لمتابعة ياسر

One thought on “الفشل الدستوري (2): حول النص الجامع واستمرارية التحسين

اترك تعليقاً

Top