لماذا الهجرة.. والخروج من الديار مماثل لقتلِ النفس؟

Jônatas Cunha | flickr
Image credit: Jônatas Cunha | flickr

كثيراً ماتنحصر دراستنا للحظات التاريخية في ما أحدثته من تغيير في مجرى التاريخ وكيفية ذلك دون التعمق في الدروس المستفادة منها على المستوى التأسيسي المُوَجِهِ للفعل الإنساني. وهنا تكمن الحوجة للفلسفة، حيث هي حسب حسن بن حسن نمط تفكير إنساني يبحث في التجربة الإنسانية وفي الحركة بين التاريخي والأساسي. ولما كانت الهجرة حدثا محوريا في مسيرة الأمة وتاريخها كان لزاما أن نتوقف عندها كثيرا تدبرا وتفكرا لبعض دروسها وهي تمثل تطبيقا ونموذجا نبويا مهتديا بنور الوحي لحركة تغيير تنتظم الفرد والمجموعة.

(وَاللهِ إِنكِ لَأحَبُ البِقَاعِ إِلى الله، ووالله إِنكِ لأَحبُ البِقاعِ إِلَيَ، ولَولَا أَن قَومَكِ أَخرَجُونِي مَا خَرَجْتُ). كانت هذه كلمات النبي (ص) مغادراً مكة مُظهراً حبهُ لها، حيث حب الوطان لايعارض الأديان. ولكن الدرس هنا بليغٌ والرسولُ وهو مؤيدٌ من عند اللهِ يغادِرُ موطنهُ ونشأته طريداً ومكرهاً كحال كل حركة بعثٍ جديدةٍ تُواجِهُ القَديمَ البَالِي وتُواجِهُ أصحاب المصالح المرتبطة بهذا القديم البالي، فتُوَاجِهُ نفسَ المصير من تهديدٍ ووعيدٍ ونفيٍ وتشريد. والإسلام وهو يؤسس لمفاهيمَ جديدة يعتمد فيها الإنسان على نفسه آخذا بسنن الله الكونية كان لابد أن يعلم أتباعه أن لاسبيل لنشر دعوتهم وتمكين دينهم إلا ببذل الجهد والتضحية لتحقيق الأسباب المتعلق بها تحقيق النتائج.

تعلمنا الهجرة أن لامجال للمعجزات لنجاح الفكرة مهما كانت سامية ونبيلة ومؤيدة من عند الله ومسددة بنور الوحي، وإنما معاناة وتخطيط لذلك ثم من بعد ذلك تأتي الفتوحات الإلهية. لذلك كان قول الرسول لصاحبه (إن اللهَ مَعَنا) في الغار مهاجرا درسا بليغا بأن معية الله لاتعني التكاسل. فمعية الله حاضرة في كل زمان ومكان، ولكن نصرهُ مشروطٌ بعملٍ وجهد، فالنصرُ لايتحقق بالدعوات ولا بالتضرع وحده والأمنيات، فإن وعد الله لايتحقق إلا بالإيمان الدافِعِ للعملِ الصالح (وَعَدَ اللهُ الذِينَ آمَنُوا مِنْكُم وَعَمِلُوا الصَالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الذِينَ مِن قَبْلِهِم وَلَيُمَكِنَنَ لَهُمْ دِينَهُم الذي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدلَنهُمْ مِن بَعْدِ خَوْفِهِم أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُون).

إن الخروج من الديار أمرٌ صعبٌ على النفس البشرية حتى عدهُ القرآن مماثلاً لقتلِ النفس (وَلَو أَنَا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُم أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنهُم وَلَوْ أَنَهُم فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَد تَثْبِيتاً).

كان الهدف المتحقق من الخروج عظيماً ومطلباً أساسيا، ولم يكن الرسول الكريم يطلب أمراً غير الحرية فقد كان يدعو الناس في موسم الحج “هل من رجل يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي” فمنع قريش له كان هو سبب الهجرة إلى المدينة سبقتها هجرات أخرى للحبشة حيث فيها “ملك لايُظلَم عندَهُ أحد” ليتحقق شرط الحرية اللازم لنجاح الدعوة.

إن طلب الإسلام للحرية ليس طلبا مرحليا، وموقفه منها ليس موقفا نفعيا براغماتيا، بل كانت الآيات صريحة بأن لا إكراه في الدين بعد أن تبين الرشد من الغي ولم يكن الجهاد من بعد ذلك إلا طلبا للحرية وإزالةً للقيودِ والعوائقِ المادية التي تحول بين الناس وبين مايعتقدونه بحرية (وَقَاتِلُوهُم حَتى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِينُ كُلُهُ لِلهِ فإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَ اللهَ بِمَا يَعمَلُونَ بصيرٌ)!

ولما كان المسلم رساليا وصاحبَ دعوةٍ وفكرةٍ كان موطِنُهُ حيثُ تتحقق حريتُهُ في التبليغ والعبادة وكل أمور دينه، لذلك كان قَدْرُ المُهاجرين كبيراً وقد مدحهم الله في عدة آيات لأنهم قدموا مصلحة الدعوة التي لاتنبت إلا في أرض الحرية على ذواتهم (فَاسْتَجَابَ لَهُم رَبهُم أَنِي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنكُم مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى بَعضُكُم مِن بَعضٍ فالذِينَ هَاجَرُوا وَأُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفرَن عَنهُم سَيئَاتِهِم وَلأُدخِلَنهُم جَناتٍ تَجرِي مِن تَحْتِها الأَنهَارُ ثَواباً مِن عِندِ اللهِ واللهُ عِندَهُ حُسنُ الثَوَاب)، وقوله تعالى (وَمَن يُهَاجِر فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِد فِي الأَرضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ومَن يَخْرُج مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُم يُدْرِكْهُ المَوتُ فَقَد وَقَعَ أَجرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيماً). وذَم القرآنُ كل من تمسك بموطنه فبَقِيَ مَسلُوبَ الإِرَادَة (إِن الذِينَ تَوَفَاهُمُ المَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِم قَالُوا فِيمَ كُنتُم قَالُوا كُنا مُستَضعَفِينَ فِي الأَرضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرضُ اللهِ وَاسِعةً فتُهاجِرُوا فِيهَا فَأُولئِكَ مَأوَاهُم جَهَنمُ وَسَاءَت مَصِيراً). إن ديار الإسلام هي أي موطن تتوفرُ الحرية حيث تتحقق هذه القيمة للمسلم ولسواه ثم يكون التدافع بالحُسنى والحوار. والإسلامُ إبنُ الحُرية لايخشَى سَاحاتِها!

إن الحرية المتحققة من الهجرة بكل تضحياتها دلالة على مكانتها في الإسلام، فهي رسالة للمسلمين لعدم التفريط فيها خضوعاً لظالمٍ أو استكباراً على ضعيفٍ قيمةً ثابتةً ومقصداً دائماً في حالتي الضعف والقوة.

بقي أن نذكر بأن عالم الأفكار هو الحاكم على عالم العلاقات والأشياء، فلولا المفاصلة بين المهاجرين وأهل مكة في المعتقدات لما كان أمر الهجرة الجسدية ممكناً ولولا الهجرة التي تمت في طريقة التفكير من (إِنَا وَجَدْنَا ءآباءنا عَلى أُمةٍ وَإِنَا عَلى ءاثَارِهِم مُهتَدُون) إلى (قُل هاتُوا بُرْهَانَكُم إن كُنتُم صَادِقِين) لما أحدثت الهجرة الجسدية أثرا في تاريخ البشرية، فكانت الهجرة المؤسسة لحضارة هجرةً متعددة الجوانب وشاملةً مُتسقةَ الخُطى.

تابع د. محمد

د. محمد زيدان

طبيب وطالب دراسات عليا at جمهورية ألمانيا الإتحادية
من مواليد العام ١٩٨٩. حاصل علي بكلاريوس الطب والجراحة من جامعة الخرطوم. مهتم بالفلسفة وأصول الفقه وباحث في التراث الإسلامي. نشرت له العديد من المقالات في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.
تابع د. محمد

اترك تعليقاً

Top