بعض مفاهيمنا الدينية تصطدمُ بالفطرةِ السليمةِ ومقاصد الرسالة: الجزية نموذجاً

Jason OX4 | flickr
Image credit: Jason OX4 | flickr

بعض مفاهيمنا التي تحمل صبغةً دينيةً تصطدمُ مُباشَرةً بالفطرةِ السليمةِ والعقلِ الإِنساني المُهيأِ لقبول الوحيِ والتفاعلِ معهُ. وفوق ذلك، فهِي تُناقِضُ مقاصدَ الرسالةِ ومضمونَ القرآن. ولاعجب في ذلك، فهناك فرق بين الدين المُنَزَلِ والدين المُؤَوَل، ومسافةٌ بين الوحيِ المُسدَدِ هدايةً إِلهيةً كاملةً وبين التاريخِ كسباً بشرياً ناقصاً. ولأن فهم النصوص يتوقف على المفاهيم القَبْلِيةِ للقارِئ وبالتالي على كسبِهِ الثقافي كما عند هايدغر وبعض علماء الهرمينوطيقا، فقد أثر انحطاط المسلمين الثقافي على فهمهم لبعض النصوص مما انعكس سلباً على دورهِمُ الحضاري والتاريخي في رفعة البشرية وقيامهم بواجب الاستخلاف، بل وشوهَ صورةَ الدينِ الإِنسانِي الذي أُنزِلَ رحمةً للعالمين.

ومن المفاهيم التي انحرفت عن مقصود الرسالة التي تبتغي العدل لبني الانسان (لَقَد أَرْسَلْنَا رُسُلَنا بالبيناتِ وأَنزَلنا مَعَهُمُ الكِتابَ والميزانَ ليَقُومَ النَاسُ بالقِسْطِ) من هذه المفاهيم مفهوم الجزية التي جعلناها بديلا عن الإسلام كما يقول بعض الفقهاء، ويزيدُ بعضهم أنها بديلٌ عن قتلِ المُخالِفِ وإراقة دمه. ولكن مفهوم الجزيه في القرآن يختلف عن هذا الفهم، فالخياراتُ ليست محصورةً كما عند البعض في اعتناق الإسلام أو القتل أو الجزية، ولكن القرآن يدعو بوضوح تام لحريه الاعتقاد (لا إكْرَاهَ في الدِينِ قد تبينَ الرُشدُ منَ الغَي). فكيف يكون “لا إكراه في الدين” وأنا أُخَيِرُ الناس بين القتل أو الجزية أو الدخولِ في ديني؟ ولكن الإسلامَ يجعلُ الخيارَ مفتوحاً للمرءِ (فمَنْ شَاءَ فليُؤْمِن وَمَن شَاءَ فليَكفُر)، والمسلم يدعو لدينه بقوةِ المنطق والبيان لا بالسيف والسنان (قُل هَاتُوا بُرهانَكُم إن كُنتُم صَادِقِين)، (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)!

إن المفهوم الموروث للجزية يُخالِفُ المقاصد الكبري للقرآن في العدل والحرية. إن إحدى المشاكل الكبرى التي يقع فيها بعض الفقهاء هي أنهم يستنبطون الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي الجزئي دون النظر والمقارنة مع المقاصد الكلية رغم أن الاتساق يعتبر من أهم معالم الشرع وخصائص القرآن (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) .

والناظر للنص التفصيلي للجزية في القرآن يجد أنه يختلف عن ما تناوله الفقهاء، فهي تشريع خاص لغير المسلمين المقاتِلين وليسَ سواهم من غير المسلمين المسالِمين. يقول تعالى (قاتِلُوا الذِينَ لا يُؤمِنُونَ باللهِ وَلا بِاليَومِ الآخرِ ولا يُحَرِمُونَ مَا حَرمَ اللهُ وَرَسُولُه وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِ مِنَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتى يُعطُوا الجِزيَةَ عَن يَدٍ وَهُم صَاغِرُون). فالآية تتحدث عن قتال غير المسلمين وأخذ الجزية منهم، ولكن القتال في القرآنِ ليس عاماً ضد غير المسلمين ولكنه خاصٌ ضد المُحارِبين مِنهُم (وقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الذينَ يُقاتِلونَكُم وَلا تَعتَدُوا إِن اللهَ لا يُحِبُ المُعتَدِين). فالقتال موجهٌ لمن يُقاتِلُ وقد مُنِعَ المسلمون من الاعتداء فالله لا يحب المعتدين! وهذا حكمٌ خالدٌ لانسخَ فيهِ فلن يأتيَ اليومُ الذي يُحِبُ فيهِ اللهُ المُعتدين، تنزه وتعالى عما يقولون عُلُواً كبيراً.

فكما أن قتال غيرالمسلم المُسالِم يعتبرُ اعتداءًا، فإن أخذ الجزيه منه يعتبرُ اعتداءاً فهي تُفرضُ فقط على من واجَهَ المسلمين بقتال فيُقاتَلُ حتى يدفعَ الجزية إظهاراً لخضوعه (وَهُم صَاغِرُون). يقول الشيخ رشيد رضا “معنى الصغار المراد به هنا الخضوعُ لأحكام الإسلام وسيادَتِه الذي تَصغُرُ به أنفسهم لديهم بفقدِهِمُ المُلكَ وعجزِهم عن مقاومة الحكم نتيجة للحرب”.

فالصغار المقصود هو الطاعة والانقياد للمسلمين، وهو الحكمة من الجزية والسبب في ذلك هو مواجهتم للمسلمين في القتال وليس لاختلافهم الديني عنهم. لذلك وجب علي الفقهاء إعادة تعريف الجزية على أنها مالٌ يدفعُهُ غير المسلم المُحارِب فقط، فالعلاقة بيننا وبين غير المسلمين واضحة في الآية (لَا يَنهَاكُمُ اللهُ عنِ الذينَ لَم يُقاتِلُوكُم فِي الدينِ وَلَم يُخرِجُوكُم مِن دِيَارِكُم أَنْ تَبَروهُم وتُقْسِطُوا إِليْهِم إِنَ اللهَ يُحِبُ المُقسِطِين إِنمَا يَنهَاكُمُ اللهُ عَنِ الذينَ قاتلُوكُم فِي الدِينِ وأَخرَجُوكُم مِن دِيَارِكُم وظَاهَرُوا عَلى إِخرَاجِكُم أَن تولوهم ومن يَتَوَلهُم فأُولَئِكَ هُم الظالِمُون).

كما أن مقدار الجزية متروكٌ لتقديرِ الحاكم فإن استمرار دفع الجزية أمر اجتهادي أيضاً يُقدِرُ فيه الحاكمُ مدى انتقال دافعي الجزية من دائرة المقاتلين المحاربين إلى دائرة المسالمين، فإن رأى فيهم ذلك سقطت عنهم الجزية فما هي إلا دلالةُ خضوعٍ من المُحارِب المُعتدي.

تابع د. محمد

د. محمد زيدان

طبيب وطالب دراسات عليا at جمهورية ألمانيا الإتحادية
من مواليد العام ١٩٨٩. حاصل علي بكلاريوس الطب والجراحة من جامعة الخرطوم. مهتم بالفلسفة وأصول الفقه وباحث في التراث الإسلامي. نشرت له العديد من المقالات في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.
تابع د. محمد

اترك تعليقاً

Top