أزماتنا الفكرية: التعصب

Rishi S | flickr
Image credit: Rishi S | flickr

(دينُكِ جيدٌ ياسيدتي، ولستِ بحاجةٍ إلى دينٍ آخرَ غيرَه بشرطِ أن يكون ذلك من خلال التُّقَى وأن تعيشي حياةً هادئةً ومسالمةً ولاتؤذي أحداً). كان ذلك رد الفيلسوف الهولندي إسبينوزا على صاحبة الدار التي كان يسكن عندها على سؤالها: “هل يمكن أن أجد نجاتي عن طريق ديني و ممارستي لشعائره وعباداته؟”.

في تقديري أن إسبينوزا لايشير في رده فقط إلى المحتوى الأخلاقي للدين ولكنه يستبطن أيضا معياراً لصحة الدين وصلاحيته، وهو يضع هنا خطوةً في طريقٍ سار فيه من بعدِه كانط في إثبات الدين إستنادا على العقل العملي أو الأخلاق وليس عن طريق البرهان العقلي. فالدين عند إسبينوزا يكون جيداً بمحتواه من القيم الأخلاقية وليس بالحجج والمعجزات التي تدلل على صحته، فهو يضع الأخلاقَ كمعيارٍ قبل أن يجعلها كانط من بعدُ دليلاً على ضرورة وجود الله واليوم الاخر.

ثارت الكنيسة من بعد على كانط، واعتبره علماء الدين ملحداً، لأنه جرد الدين من قوته وساهم في إضعافه بنفيه قدرة العقل على  النظر في الميتافيزيقيا. وبغض النظر عن صحة طرح كانط أو عدمها فإن الحساسية المفرطة من قبل المتدينين ضد هذا الطرح تشير إلى استبطان فكرةٍ متجذرةٍ عند البعض وهي أن النظر العقلي بإمكانه الوصول إلي لحقيقة المطلقة، وبالتالي القول بأن الميتافيزيقيا لاتعتبر ميدانا للعقل المحض كما عند كانط يعني فقدان الدين لفرصته كي يُثبَتَ عقلياً كحقيقةٍ مطلقة، فكان لابد من محاربة مثل هذا الطرح خصوصاً بعد تنامي إنجازات العلم وتأثيره على الحياة.

في نظري أن مشكلة التعصب لها أسبابها النفسية والإجتماعية والإقتصادية، فهي ظاهرةٌ معقدةٌ كتعقيدِ النفس البشرية ولكن من المهم أيضاً البدءُ في وضع أسسٍ منطقيةٍ تساعد على تفكيك هذه المشكلة، وأولى هذه الخطوات هو فك الارتباط بين النظر العقلي والحقيقة المطلقة. فالحقيقة المطلقة ليست نتيجةً حتميةً للنظر العقلي، بل هي غيرُ مدركةٍ أصلاً حتى في قضايا العلم، فالحقيقة العلمية نفسها لاتعتبر حقيقة مطلقة، دعك من قضايا الغيب والماورائيات.

إن دراسة موضوع الحقيقة يتطلب بحثاً طويلاً يبدأ من الإبستملوجيا وقضية الأفكار الفطرية المركوزة ومصادر المعرفة ثم الصراع الطويل بين الفلاسفة العقليين والحسيين، وكل هذا لاسبيل للخوض فيه في مثل هذا المقال ولكني أشير هنا إلي محطتين هامتين في الموضوع:

الأولى هي ماقدمه كارل بوبر في نقده للاستقراء، فالحقيقة العلمية عند بوبر في تأسيسه لفلسفة العلم هي في الأساس قابلة للتكذيب، وبالتالي  تظل حقيقةً إلى أن تُكذَّب، وهذا نفيٌ ضمنىٌ لإِطلاقها. فأهم مميزات العلم أنه متغير دوماً ولا مَجالَ فيه للثبات والإطلاق.

المحطة الثانية هي ما أقدمت عليه فيزياء الكم من نقض لأهم قوانين العقل الأولى في المنطق الصوري وهو قانون عدم التناقض، فأصبح مُتَصوراً وجودُ إلكترونٍ واحدٍ في مكانينِ مختلفينِ في نفسِ الوقت! ورغم أن البعض يحتج بأن قوانين العقل لاتعمل في المستوى الجزيئي ولكن هذا أيضاً فيه نفيٌ لإطلاقها.

وبنفي الإطلاقية عن العلم وانهيار مايستند إليه المنطق الصوري، يتطلب الإدعاء بإمكانية تأسيس إطلاق معرفي داخل الحقل الديني جهداً في مستويين: مستوى إثبات قدرة العقل على النظر في الماورائيات، ثم إثبات إمكانية الحصول على حقيقة مطلقة ويقين كامل من النظر العقلي.

إن من حق المؤمن أن يعتقد بما يشاء إذا رأى من الدلائل مايقوي احتمال صحة اعتقاده، ولكنه يصل لكامل يقينه بإيمانه القلبي لا بنظره العقلي الخالص.

وإذا كان الأمر كذلك فلايحق لإنسان أن يحمل الآخرين على ما توصل إليه من يقين، فإذا كان فرضُ الأفكارِ أزمةً أخلاقية كما كتبتُ من قبل (التطرف كأزمة اخلاقية) فإن فرض الأفكار رغم معرفة نسبيتها يكون أزمة أخلاقية مركبة أنه لايوجد أصلا مبرر لمثل هذا الفعل، إلي جانب أنه خطأ في الأساس.

إن الإيمان بدون وجود إثبات كامل له كحقيقةٍ مطلقةٍ ليس نقصاً فيه، لأن الوصول لحقيقة مطلقة في الأساس منعدم، ولكن طبيعة الحصول على الإيمان كخيار شخصي  ينبغي أن تدفع لأعلى درجات التسامح مع الآخر.

 

تابع د. محمد

د. محمد زيدان

طبيب وطالب دراسات عليا at جمهورية ألمانيا الإتحادية
من مواليد العام ١٩٨٩. حاصل علي بكلاريوس الطب والجراحة من جامعة الخرطوم. مهتم بالفلسفة وأصول الفقه وباحث في التراث الإسلامي. نشرت له العديد من المقالات في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.
تابع د. محمد

اترك تعليقاً

Top