تَحالفُ السيفِ والقلم: دولُ الربيع العربي نموذجاً – 2/2

Isengardt | flickr
Image credit: Isengardt | flickr

تحدثنا في مقال سابق عن كيف أن مجتمعاتنا في الزمن الحاضر تقع ضحية لفريقين يتجاذبانها، ينادي أحدهما بإبعاد الدين عن الحياة العامة متأثرا بنجاح نسبي للعلمانية في الغرب، وفي الجانب الآخر نجد فريقا يوظف الدين لمصلحة تيار سياسي مستخدما الدين ونصوصه لحسم الصراع السياسي لصالحه وإضفاء الشرعية على مواقفه السياسية. وبين هذا وذاك يضيع الدين كمُوَجِّهٍ للحياةِ العامةِ ومصدرٍ لقيم الهداية. ففي الحالة الأولى يُبعَد الدين بطريقة مباشرة، وفي الحالة الثانية يُبعَدُ بطريقة غير مباشرة حين يصبح أُلعُوبةً في يد فئة معينة تُفقِدُه قدسيته واحترامه بين الناس، وهذه هزيمةٌ لفكرة العبادة نفسها.

إن ماحدث من تكثيف لللأيدولوجيا في الخطاب السياسي في دول الربيع العربي والتي تشهد حراكاً سياسيا متصاعدا يدل على فاعلية الدين ودوره في الشعوب المسلمة وفشل محاولات استبعاده، ولكن في نفس الوقت هو باعث لحماية الدين من أن يصبح مطية لمصالح ضيقة للبعض لاتخدم المصلحة العامة ولا القيم الكلية للدين من إقامة العدل والشورى وإتاحة الحريات وبسط الحقوق. وفي هذا يجب التفريق بين عدة أمور:

أولا: الدين وفهم الدين:

الدين هداية إلهية كاملة، بينما فهم الدين كسب بشري ناقص. فلايجوز لفرد من الأمة مهما بلغت مكانته أن يدعي التطابق بين فهمه وبين الحقيقة الدينية، فلاعصمة لأحد بعد رسول الله (ص)، وإن الفهم لنصوص الدين هو اجتهاد قد يصيب المرء فيه ويخطئ. وبهذا يدعو النص الى الاجتهاد في فهمه فإن مقولة “لا إجتهاد مع نص” تعني النص قطعي الدلالة غير القابل للتأويل، وهذه النوع من النصوص – رغم قلتها – يجب أن تفهم في سياقها الزماني والمكاني ومساقها الثقافي وهي أيضا عملية اجتهادية.

ثانيا: مافيه نص قطعي، وما فيه مساحة واسعة للاجتهاد:

مافيه نص من أمور السياسة حيز ضيق جدا، والباقي فضاء واسع للاجتهاد البشري والإبداع العقلي، ولايحق لأي انسان أن يدعي عصمة الرأي فيها أو اتهام الطرف الآخر بمعاداة الدين ورميه بالطرد من رحمة الله. يقول ابن تيمية في الفتاوي: “لكن لايكلف الله نفسا إلا وسعها، فاذا اتقى العبدُ اللهَ ما استطاع آجره الله على ذلك، وغفر له خطأه. ومن كان هكذا لن يكون لأحد أن يذمه ولايعيبه ولايعاقبه”. ثم ذكر أيضا في موضع آخر: “وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم”. وتقع المواقف السياسية في دائرة قوله صلي الله عليه وسلم: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”، والاستناد فيها يكون على تحقيق المصلحة لذلك ينقل ابن القيم عن ابن عقيل: “السياسة ماكان فعلاً بحيث يكون الناس أقرب الى الإصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول (ص)ولانزل به وحي”.

ثالثا: بين النص وتنزيله على الواقع:

تتغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد. وقد كتب ابن القيم فصلا بهذا العنوان قال فيه: “هذا فصل عظيم النفع جدا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ـ ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها التأويل – إعلام الموقعين”. فالنص قد يكون كليا تتنزل أحكامه حسب الوقائع ويكون الإجتهاد في تنزيل النص على الواقع وهو جهد بشري تختلف فيه الآراء، وقد يكون النص جزئيا مرتبطا بمصلحة معينة وبِعِلَّةٍ يدور الحكم معها وجودا وعدما مثل حادثة سهم المؤلفة قلوبهم وموقف سيدنا عمر منها. فلاينبغي الثبات في موضع المرونة ولا المرونة في موضع الثبات ومن يفعل ذلك يقول عنهم ابن القيم أنهم “أفسدوا على أنفسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، مع علمهم وعلم غيرهم قطعا أنها حق مطابق للواقع، ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله، إنها لم تناف ماجاء به الرسول، وإن نفت مافهموه هم من شريعته باجتهادهم، الذي أوجب لهم ذلك نوع من التقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع وتنزيل أحدهما على الآخر”.

رابعا: بين الدين ورجال الدين:

لارجال دين في الاسلام وإنما علماء يجتهدون كل بكسبه دون قدسية لأقوالهم، فالقدسية للقيم والمبادئ لا الأشخاص والذوات، كما أن إبداء الرأي في قضايا الدين هو حق مشاع لكل مسلم، فيُنظَرُ في محتوى اجتهاده دون ترك الرسالة ونقد صاحبها، ومن بعد ذلك يثبت الاجتهاد الموافق لروح الدين والعقل معا فلا واسطة بين الله وعباده وإنما ينحصر دور العلماء في مساعدة الناس على الفهم دون وصاية وحجر ودون عصمة لأقوالهم.

إن الأمة تحتاج وهي في مرحلة صحوتها إلى ترشيد خطابها الديني ليواكب حراكها السياسي ليكون الدين عاملا رئيسيا في عملية النهضة المرجوة لا عائقا في سبيل تحررها من الاستبداد السياسي و التخلف الفكري.

تابع د. محمد

د. محمد زيدان

طبيب وطالب دراسات عليا at جمهورية ألمانيا الإتحادية
من مواليد العام ١٩٨٩. حاصل علي بكلاريوس الطب والجراحة من جامعة الخرطوم. مهتم بالفلسفة وأصول الفقه وباحث في التراث الإسلامي. نشرت له العديد من المقالات في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.
تابع د. محمد

اترك تعليقاً

Top