النوبة: منذُ أولِ لحنٍ نُوبيٍّ وأنا مفتونةٌ بالموسيقى

Mark Fischer | flickr
Image credit: Mark Fischer | flickr
لابد أن لي جدًّا نوبيًا يتحرقُ في جسدي..! ولا أعلم عنه شيئا..
منذ أولِ لحنٍ نوبيٍ وأنا مفتونةٌ بالموسيقى..
وماقبل ذلك أنا مفتونه بالنوبة.. بتلك البلادِ كلها..! صحراءِها.. وِديانِها.. وَاحَاتِها.. نخِيلِها.. كل شيء..
أَدمَيتُ قدمي رأسي وأنا أبحث لي عن جدٍّ أو جدة.. هاجرتُ بعدَ السدِّ إلى بلد جدي / جدتي..
ولم أجد..!
في عام تخرجي من مدرسة المعمار اخترت أن أصمم متحفا نوبيا في أقصى شمال السودان..
لم أكن أعرف حينها الكثير عن النوبة.. قليلٌ من أغنيات “وردي” و”البلابل” والافتتان بقصص التاريخ و هوس قديم بألوانهم..
مهووسة أنا بالنوبة والطوارق..
ثم بدأ الجلوس مع (قوقل).. لكنه لم يخبرني كثيراً.. سوى خطوطٍ ما..
وهكذا تتبعت الخطوط إلى أن أوصلتني الى المثلثات والدوائر واللون الأبيض والترابي والطين.. والبرتقالي.. وعالم من النقوش..
ومن مثلثٍ واحدٍ بنيتُ متحفي!
مثلثات بقواعد مربعة.. أهرامات صغيرة غير متساوية تميل كلها على بعضها..
دوائرُ لا تنتهي إلى مركزها.. بل تتمرد خطوطاً عرجاء طويلة.. تنتهي فجأة أو تتحول إلى مثلث ما..
المثلث نفسه لا ينغلق على نفسه.. بل يتفكك أكثر من ثلاث زوايا..!
لقد بعثرت كل شيء.. ولكنه ظل نوبياً..
بالفتحات المثلثه المتراصة على السقف تدخل ألوانا زرقاء وصفراء.. تتشابك على صالة العرض لتعكس لوناً هائجاً.. يجعل المعروضات كأنها تحيا..!
كنت أحاول أن أتخيل نوبيا يدخل الى المتحف ليرى أجداده.. ويرى تاريخه معلقاَ أمامه..
ولكني لم أعرف.. لم أنل حكمة واحدة..
ربما لو كنت أعرف – حينها – موسيقى (حمزة علاء الدين) لصنعت متحفاَ من “الرُّطَانَةِ” نفسها.. من اللغة..!
لو كنت قرأت (دُنْقُلًا) لـ: “إدريس علي” لدهنت كل الحوائط برسومات بالجير الأبيض..!
….
الأبيضُ الذي أربكني يوماً.. قبل خمسة أيام من تسليم المشروع.. تخيلتُ المتحف الذي سَهِرتُ عليهِ طويلاً..
مُحاوِلَةً إلصاق الورق بالكرتون وفوضى الصمغ والألوان.. وكل شيء.. حيث كانت غرفتي تُشبِهُ مجزرة – كغرفةِ أي معماري في السنة الاخيرة..
على كل حال.. تخيلت كل شيء أبيض..!
الشجر.. العشب.. حوائط المتحف.. الأرضيات.. السلالم.. السقوف.. كل شيء.. كل شيء أبيض تماما..
وفي لحظة لذيذة قمت بسكب الأبيض في الـ “موديل”.. صبغته بالأبيض!
اخترت لون “أكريليك” ثقيل القوام.. كان كالجير.. بلا لمعة.. ولكن بشيء من الثبات..!
بدا لي مشروعي حينها مجازفة أو حماقة كبرى..
ولكني لم أغير شيئا..
كان عليَّ بعدها أن أُفسرَ جنوني هذا لمجموعه من الأساتذة..
وبالفعل.. لم أستطع أن أخبرهم إنني لو كنت أعرف موسيقى (حمزة علاء الدين) لصنعت متحفا من “الرُّطَانَةِ” نفسِها..
من اللغة ..!
..!

اترك تعليقاً

Top