تَحالفُ السيفِ والقلم: دولُ الربيع العربي نموذجاً – 1/2

Michael Kappel | flickr
Image credit: Michael Kappel | flickr

الإنسان كائن متدين بطبيعته وفطرته، فقد عرفت البشرية منذ فجرها صوراً مختلفة من الحياة الدينية وظل الدين حاضراً في كل مراحل تطور الانسانية، ملهماً وفاعلاً في توجيه الإجتماع البشري رغم تغير حجم الدور الذي يلعبه من فترة لأخرى.

وفي التاريخ الإسلامي كان الاستناد إلى النصوص الدينية ديدناً لكل من أراد تقوية موقفه في كل شأنٍ. ليس فقط بتأويلٍ لايحتمله سياق النص ولكن بوضعِ نصوص جديدة وإسنادها للرسول (ص) حتى كثر الوضع عن رسول الله (ص). فقد ورد في صحيح مسلم أنه جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدِّثُ ويقولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: “إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدَرَتْهُ أبصارُنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف”.

وفي الزمن الحاضر تقع مجتمعاتنا ضحية لفريقين يتجاذبانها، ينادي أحدهما بإبعاد الدين عن الحياة العامة متأثرا بنجاح نسبي للعلمانية في الغرب، وفي الجانب الآخر نجد فريقا يوظف الدين لمصلحة تيار سياسي مستخدما الدين ونصوصه لحسم الصراع السياسي لصالحه وإضفاء الشرعية على مواقفه السياسية. وبين هذا وذاك يضيع الدين كمُوَجِّهٍ للحياةِ العامةِ ومصدرٍ لقيم الهداية. ففي الحالة الأولى يُبعَد الدين بطريقة مباشرة، وفي الحالة الثانية يُبعَدُ بطريقة غير مباشرة حين يصبح أُلعُوبةً في يد فئة معينة تُفقِدُه قدسيته واحترامه بين الناس، وهذه هزيمةٌ لفكرة العبادة نفسها فما العبادة إلا نوعٌ من الاحترام الكبير لكائن يساعد عقولنا على تمثل غاية كبرى لوجودنا حتى لايتحول وجودنا اليومي لآلة كسولة بلاهدف يُفتَحُ لها الأفقُ نحو معنىً ما للمستقبل. وفي هذا يقول كانط: “إن حاجة الإنسان لاحترام أعظم من كل أنواع الاحترام الأخرى هو الذي يجعله يفكر من نفسه من جعل شيء ما موضوعاً للعبادة” ويقول أيضاً: “الدين في حدود مجرد العقل”. فيتحدث كانط عن فلسفة العبادة في الأديان باعتبار الدين يساعد على وضع غاية نهائية لما يحب الانسان فعله، هذه الغاية يجب أن تكون موضع الاحترام الأعظم لتعطي حياة الإنسان معنى. وما العبادةُ إلا تمظهرٌ لذلك الاحترام. فالدين يأخذ فاعليته من ذلك الاحترام. وفي اللحظة التي يفقد الدين فيها هيبته وسط الناس يصبح دوره ضعيفا بدلا من أن يتعبد الله بتطبيقه.

يجد التيار الأول مقاومة ورفضاً من قبل الشعوب المسلمة ذلك أن ظروف نشأة العلمانية والحاجة إليها في الغرب تختلف عن الظروف الموجودة في العالم الاسلامي مما جعل المناداة بها يعتبرٌ فعلاً خارج سياق اللحظة التاريخية. وعلي العكس من ذلك، فإن التوظيف السياسي للدين قد ظل داءً تعاني الأمة منه منذ وفاة النبي (ص).

ولأن أزمة الحكم في الأمة أزمة ضاربة الجذور في التاريخ وممتدة في شعاب الزمان ولأن الدين ظل هو الباعث الرئيسي والمحرك للأمة أفرادا وجماعات، كان توظيف الدين حاضراً ولم يغب لحظة عن المشهد السياسي في صورة لتحالف سُمِّيَ بتحالُفِ السيفِ والقلم أو السلطانِ والعلماء. وظل هذا التحالف يعلو صوته وتضح صورته في أوقات الصراع السياسي وفي كل لحظة تاريخية تسبق عهدا جديدا من تاريخ أمتنا.

إن الملاحِظَ لكل أشكال وأنواع الحكم التي تعاقبت على الأمة بغض النظر عن قربها أو بعدها من قيم الدين وبغض النظر عن الشعار الذي رفعته – إسلاميا كان أو غير ذلك – نجد أنه مامن حاكم إلا وكان له غطاءٌ دينيٌ يستند عليه ويبرر به أفعاله بالحق أو بالباطل. ولعل أكثر الأمثلة المعاصرة وضوحاً لذلك التحالف هو ماحدث في بعض دول الربيع العربي من تناقض في مواقف شخصيات ذات وزن في الساحة الدعوية، فكيف لشخصيةٍ واحدةٍ أن تبدل مواقفها لا استنادا لقاعدةِ تَغَيُّرِ الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال ولكن استنادا لمصلحةٍ سياسيةٍ ضيقةٍ يراد لها أن تصطبغ بصبغة الدين وتلبس جلبابه.

إن من قوانين المنطق الأولى ما يعرف بقانون عدم التناقض. ولكن قوانين علماء السلطان تستطيع أن تجمع بين الشيء وضده استنادا على نصوص جزئية مقتطعة من سياقها أولاً على طريقة قوله تعالى: “وَيلٌ لِلمُصَلٍّين”، ثم تُفهم بعد ذلك بعيداً عن قيم الدين الكلية لتوافق أهواء قائليها. فقد شهدنا من يعارض قيام الثورات ثم هو نفسه من يحث عليها بعد أن يتأكد من نجاحها في أبهى صور المتاجرة بالدين والإستهزاء به وبأحكامه.

وللحديث بقية. أسعد باستقبال آرائكم في المقال وفي الموضوع بصورة عامة من خلال صندوق النقاش في الأسفل أو التواصل معي مباشرة علي وسائل التواصل الجتماعي الموضحة في الأعلي.

تابع د. محمد

د. محمد زيدان

طبيب وطالب دراسات عليا at جمهورية ألمانيا الإتحادية
من مواليد العام ١٩٨٩. حاصل علي بكلاريوس الطب والجراحة من جامعة الخرطوم. مهتم بالفلسفة وأصول الفقه وباحث في التراث الإسلامي. نشرت له العديد من المقالات في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية.
تابع د. محمد

اترك تعليقاً

Top