الفشل الدستوري في السودان – 1

Image credit: David Stanley | flickr
Image credit: David Stanley | flickr

حول ثقافة الوطن الجامع والتنظيم الحاكم

في دراسة أعددتها عن مقارنة التجربة الدستورية الأمريكية (و هي تجربة ممتدة منذ عام ١٧٧٦) والتجربة السودانية (بدأت مع الحكم الثنائي في العام ١٩٥٣) ، و المقارنة هنا ليست لإسقاط التجارب المستوردة على السودان و إنما لتحسس مواطن الخلل في تجربتنا التي فشلت و ما زالت تفشل في صنع دستور دائم للبلاد. سبقت التجربة الامريكية أخواتها لعدة عوامل، منها حداثة التكوين المجتمعي مقارنة بالأخوة الأوروبيين في الشق الاخر من الأطلسي، وأيضا امتلاك القادة المؤسسين لقدر من المعرفة السياسية والأخلاقية المطلوبة لبناء أمة لم تتوفر لديها مقومات الأمة القوية في وقت التأسيس. لا أريد أن أناقش هنا دور المؤسسين في صناعة الدستور بل سأترك ذلك لفرصة اخرى، لكني أريد مناقشة كيف تكونت الأحزاب الامريكية في إطار الدستور وثقافة الوطن الجامع ومقارنة ذلك إلى تجربتنا إبان الاستقلال.

قبل صياغة الدستور الامريكي وبعد إعلان الاستقلال ذائع الصيت الذي تضمن حقوقا ما زالت تمثل شعارا للكثيرين اليوم، تم تبني قوانين فيدرالية لتنظيم العلاقة بين الولايات المستقلة حديثا ومحاولة تقنين الحقوق التي نادى بها إعلان الاستقلال. عانت هذه القوانين من عدم الفعالية حيث لم تحسم مركزية البلاد و طريقة حكمها و إدارة شئونها العسكرية.

حينها برزت الحاجة الى مؤتمر جامع لمناقشة تلك القضايا و هو ما يسمى بـ “المؤتمر” في التاريخ الأمريكي (The Convention)، و هو المؤتمر الذي دعي إليه ممثلون من كل الولايات الأمريكية في ذلك الوقت، مثلوا الطبقة المتعلمة المستنيرة في المجتمع الكائن آنذاك. برز نقاش في ذلك المؤتمر حول مركزية أو لا مركزية الحكم في هذه الأرض الممتدة من المحيط الى المحيط ، و منه – و باختصار مخل – تكون فريقان: الأول ينادي بحكم فيدرالي يستدعي قيام حكومة مركزية تقوم بمهام معينة من أهمها الدفاع عن الولايات المتحدة و صياغة سياستها الخارجية ، وفريق آخر يرى قيام حكومة كونفدرالية توزع فيها السلطات على حكومات الولايات المختلفة مع قيام مجلس أعلى للتنسيق ذو مهام محدودة وهو ما عرف في التاريخ الأمريكي بـ “الفيدراليين واللا فيدراليين” (the federalist and the anti-federalist debates). لم يقف النقاش حول هذا الموضوع على المؤتمرين فقط بل شاركت فيه وسائل الإعلام في ذاك الوقت من صحف و كتب و مخاطبات.

Image credit: United Nations Photo | flickr
Image credit: United Nations Photo | flickr

ما يهمنا هنا هو أن الحزبين الأمريكيين الكبيرين وُلِدا كنتيجة لهذا الحوار في المؤتمر الدستوري ذاك، أي أنهما وُلِدا بعد استقلال الولايات المتحدة، و في إطار الوصول الى دستور دائم، ثم تكونت من بعد ذلك أيدولوجياتهما المختلفة. أما ما حدث في السودان فيختلف في مرحلية وتراتبية تكوين الأحزاب السودانية المختلفة، حيث أن أغلب الأحزاب السودانية تكونت قبل الاستقلال. ليس هذا فحسب، بل كان هناك مجلس تشريعي قبل الاستقلال و كانت هناك حكومة و معارضة و قانون للحكم الثنائي. نشأت هذه الأحزاب و السودان لم يستقل بعد، بل بدأت صراع السلطة قبل تكون الوطن نفسه. هنا في رأيي انقلبت الآية، حيث أصبح للحزب سطوته من قبل الاستقلال و الوصول الى دستور، و بالتالي تمددت الحزبية في حيّز الوطنية وغطت عليها و أصبح الحزب أولى من الوطن نفسه. و كذلك فعلت القوى الحديثة أيضا حيث تمددت الأيدولوجيا على حساب الوطن. كانت لعنة التأسيس تلك و التي ما زالت مؤثرة على السياسة السودانية إلي يومنا هذا، لعنة لن تفارق الواقع حتما ما لم نُعِد التأسيس مرة أخرى، فأي محاولة للبناء على أساس أعوج نتاجها السقوط.

ياسر زيدان
لمتابعة ياسر

ياسر زيدان

من مواليد 1991، سوداني يدرس ماجستير العلاقات الدولية والأمن القومي بمعهد السياسة العالمية بالعاصمة الامريكية واشنطن. مهتم بقضايا الشرق الأوسط وترشيد الحكم في البلدان النامية، كما له عدة أبحاث متعلقة بالسياسة السودانية.
ياسر زيدان
لمتابعة ياسر

اترك تعليقاً

Top